المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

فجر عبدالناصر  Headshot

العالم كان ينهار.. إلا قلبك يا عزيزتي

تم النشر: تم التحديث:

أنا فجر.. فجر عبدالناصر، فقدت والدي يوم مجزرة فض اعتصام رابعة العدوية، ورغم أنها الذكرى الثالثة الآن، فإنني ما زلت أشعر أنني تلقيت الخبر للتو منذ ثلاث دقائق، وها أنا مجدداً لا أستطيع أن أقاوم، وها أنا مجدداً بأضعف لحظات يمكن أن تمر على أحدهم، وكأن الزمن توقف عند تلك اللحظة ولا يحرك ساكناً.

لا أستطيع أن أقاوم، كلما شعرت بالوحشة والخوف الشديد رغم أن الله القادر والقاهر والجبار..
كلما شعرت بتلك المشاعر والأحاسيس التي تأخذني يميناً ويساراً دونما مقاومة تذكر.. ذهبت لأبتاع لوناً جديداً أصبغ به شعري علّ الصبغة تصبغ حياتي بلون جديد، ولكن اليوم حرصت على أن تكون الصبغة خالية من الأمونيا كي لا تتلف شعري كتلف روحي وقلبي، وها أنا الآن بلون جديد ولكنه السواد، سواد.. قائم في الروح، وكذلك عقلي يرفض أيضاً باقي الألوان.. ويقبل السواد ويطغى رغم أنف كل الألوان وأصناف الصبغات.

على كل، رغم ذلك صليت العشاء وشرعت أبوح له بأنني حزينة وأنني لا أكاد أطيق أن أفكر بما فعله بي في خلال تلك الثلاث سنوات اللعينة، لماذا؟
لماذا جعلته هو يختار طريقه ولا تيسر لي أي طريق أختاره أنا؟ ورغم غضبي منه، صليت كما لم أصلِّ من قبل، صليت لأني منكسرة ولأني لم أعد أدري هل أنا بالفعل أحيا أم أحلم الآن؟ وهل حلمي هو الواقع؟ أم الواقع هو حلمي؟ وكيف أصبح واقعي مخيفاً أمام عقلي الباطن ومخاوفي وأحلامي وطفولتي والاثنتي عشرة ساعة يوم المجزرة؟

كيف له أن يجعلني أنجو من الرصاص حولي لأستقبل مستوى أكثر وحشية من سابقه اللعين، كيف له أن يخرجني من عنق الزجاجة ليدخلني "بئراً" لا مستقر لها. ورغم أنك كنت تعرف من البداية، فإنك لم تختر "ضحى" أو "شروق" بل اخترت "فجر".. ربما لأنك تعرف أن وقت الفجر مظلم، يشتعل لثوانٍ ثم ينطفئ سريعاً معلناً مولد يوم جديد.. الفجر هو فقط البداية، والبقية متروكة لباقي الأسماء.

الآن.. قل لي أين بدايتي؟ ولماذا تنهي كل بداية ظننتُ حقاً أنها بدايتي؟، أَرِني آية، أرني عدلك، أَرِني الرحمن الرحيم الغفور الودود.
أَرِني؛ لأني أحبك.
أَرِني؛ لأني من ثقل عيني اللئيمتين الحالمتين لم أعُد أبداً أرى.

أتعلم يا الله.. أشعر به يحدق بي من أعلى وهو سعيد بتلك "المرمطة" التي تعلمني الكثير، والتي لولاها لم أكن هنا أكتب ما أكتب أو أدعي أنني أكتب؛ لكي أخفف من وطأة تلك الأوتار اللعينة التي تعزف المعزوفة الأخيرة الشهيرة باسم "العالم ينهار من حولنا ما عدا قلبك عزيزتي"، كلانا يعلم أننا مستمرون بالسير على الأرض، ليس بفضل قوانين نيوتن عن الجاذبية، بل بفضل قلوبنا التي مهما تُلفت فهي ستظل تنبض، فتارة تخفق بشدة، وتارة على مهل، لن تتوقف حتي بعد موتنا.

أتعلم؟ أصبحت أبغض الساعات، أراها في واجهات المحلات كالقنابل الموقوتة الصغيرة اللامعة، يبدو عليها الأناقة والجمال، يختلف سعرها من واحدة لأخرى على حسب كمية النبض التي تعطيها لمالكها، ومهما بلغت من الثمن ما بلغت، فلها ميعاد لتنفجر فيه يوماً ما.
قلة من الحشود الضاحكة المطمئنة كانت ترتدي الساعات حينها، ولم تكن من الثمن الباهظ حتي.. ومنهم من قصد ألا يرتدي أبداً.
لكن هنالك أيضاً من ارتدى واحدة، ومع بداية الهجوم خلعها؛ كي يفوز بشيء ذي جمال ورونق، مخلدين، لا مثيل لهما.

هم فازوا بما فازوا، وجلست أنا أصفق حينها، فلعلي مع بداية السنة الجديدة، حسب التوقيت "الفجري"، أفُز أنا، بينما تصفق أنت عزيزي القارئ.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.