المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

فيروز ازرولي Headshot

الفاتي فلوريزم والتعناب وظواهر أخرى

تم النشر: تم التحديث:

تعدَّدت الروايات حول ظروف ظهور الفاتي فلوريزم ونشأته كمفهوم، الشيء نفسه ينطبق على التعناب والتمسطيش وغيرها من "التيارات"، التي لا أعرف شيئاً عن مسمياتها، ولا عن خصوصيات ممارستها ببلدان أخرى، لكني شبه متأكدة من وجودها فيها، ولو تحت أشكال مختلفة.

فاتي فلور، تلك الفتاة التي كان اسمها فاطمة الزهراء قبل أن يتحول للقب آخر أكثر شبابية في نظرها، يليق بستايلها ويلائم عصريتها، ففاتي فلور تهتم بمظهرها كثيراً وتضعه على قائمة أولوياتها... الجمال الخارجي مسألة مصيرية بالنسبة إليها ولو كانت تمجد جمال الروح والأخلاق في أقوالها، كيف لا، ولا وجود لبديل آخر تعبر من خلاله على تميزها، وهي المصنفة كإنسانة ساذجة حد البلادة، تافهة في أفكارها وسطحية في تفكيرها.

بالمناسبة، فاتي فلور لا تشتغل لأنها أميرة، أو هكذا تحب أن تتصور نفسها، تجلس في البيت لمشاهدة المسلسلات التركية وقضاء الوقت على غرف الشات ومجموعات تجمع الجادين الراغبين في الزواج، أو تخرج للدراسة في انتظار يوم تسقط فيه أوراقاً من يدها، فيظهر شاب وسيم وشهم يحملها عنها لتبدأ قصة غرامها الخيالية. فطموحها الزواج فقط، وكل الطرق تؤدي إليه، تتمنى بلوغه بشدة وتسخر مؤهلاتها كاملة لتحقيقه، على قلتها.

فاتي فلور لا تضع صورتها الحقيقية على تطبيقات ومواقع التواصل، وتختار دوماً صوراً رمزية لأطفال رضع أو قطط أو مشاهير، فإن لم يكن فاقتباس عن المرأة وحنانها ورقتها. ففاتي فلور تحرص على أن تظهر مستوى كبيراً من الطيبوبة والتسامح لدرجة تفضح تصنعها، تسرد دوماً تجارب الخيانة والخذلان التي تعيشها بشكل متكرر بسبب ثقتها العمياء في الناس، وتبدي تعاطفها الكبير حتى في المواقف التي تجعل منه ردة فعل مبالغاً فيها.

فاتي فلور تصاحب فاتي فلورات أخريات كثيرات، تقيس أهميتها بعددهن وقيمتها بمجاملاتهن، يناقشن وسامة الممثلين ويتقاسمنهن فيما بينهن. يمضين الوقت في التنقيب عن أنجع الوصفات لزيادة الوزن وأسهل الطرق لنفخ الشفاه وتوريد الوجنتين. يتقاسمن التجارب فيما بينهن ويتبادلن النصائح حول الشؤون العاطفية التي تعد شغلهن الشاغل؛ يحرضن بعضهن البعض ضد ألاعيب الجنس الخشن ويكشفن أفضل الطرق للوصول اليه... وهنا، تختلف المناهج... منهن من يخترن اللباس التركي تحت مسمى "حجابي عفتي"، ومنهن من يفضلن التحرر شكلياً ليصبحن "زوراً" أو "فاتي" فقط دون فلاور، يلتقطن عشرات صور السيلفي في اليوم ويجربن كل فلترات السناب الشات والريتريكا لينشرن صورة جديدة قبل كل وجبة.

فإن تحقق المراد وتزوجت الفاتي فلور، تتحول غالباً إلى حبيبة زوجها أو أميرة بيتها، تتمحور حياتها من جديد حول الرجل، وتخوض معركة ضارية للحفاظ عليه من الفاتي فلورات اللائي يشبهن ما كانت عليه من قبل. واعية هي بتربصهن بالرجال، وهذا ما يفسر حذرها.. قرة عين زوجها تدفن ما تبقى من شخصيتها لتضمحل أمام كيان رجل لا يشبه البتة ذلك الذي كانت ترسمه في مخيلتها، لا يمتلك لحية ممثلها التركي المفضل، ولا ضحكة المغني الذي تملأ هاتفها بصوره، ولا مال الخليجي الذي كانت تحادثه ساعات طويلة، ومع ذلك قبلت أن تتزوجه حتى لا تضيع فرصة العمر، راضية وشاكرة ومعلنة أتم الاستعداد لخدمته وبذل الجهود لإرضائه.

تستمر في مشاهدة الأفلام متذمرة من واقعها الذي لا يشبه ما تراه، تتشارك من جديد اهتمامات مثيلاتها وتتقاسم وإياهن همومها الجديدة، يفضفضن عن مشاكلهن اليومية دون مراعاة للخصوصية، يتحدثن عن الأبناء والزوج والعائلة، يقدمن النصائح لبعضهن حول تدبير مصروف البيت ويتبادلن طرق تحضير الوصفات السهلة والاقتصادية.

خلال هذه المرحلة، تنهج سياسة تقضي باستعمال الإنجاب لضمان بقاء الزوج، ولو كان ذلك لا يضمن ولاءه، تضع المولود بعد الآخر، وتستنزف قواها لصناعة الطعم... تصنع جيلاً جديداً من الفاتي فلورات، أو ظواهر أخرى بصيغة المذكر تعكس شخصية الأب أيضاً.

النماذج الذكورية بدورها متعددة، شخصية "البوزبال" مثلاً، الذي يعرف بانحرافه ودونيته على المستوى الفكري والأخلاقي، من طبقة شعبية فقيرة غالباً، يحاول إثارة الاهتمام بقصات الشعر الغريبة وتلويناته العجيبة، يسعى لإبراز شراسته، ويتلفظ بالكلمات البذيئة طوال الوقت.. عدوه الأول هو "الكيليميني" أو الولد الجد المدلل الذي وفرت له جميع الظروف وأتيحت له كل الإمكانات ليعيش الرفاهية، لا يعرف الاستقلالية ولا الاعتماد على النفس ويرتبط بـ"الماما" بشكل كبير.

أما نموذج الشخصية "العنابية"، أو المسمى "عنيبة"، فأراه الأقرب إلى الفاتي فلور... يتميز بكل بساطة بميل ملحوظ للتعامل مع النساء بشكل لطيف أكثر مما يجب، لدرجة تجعله مستعداً للدوس على كرامته بحثاً عن رضاهن.. لا يملُّ التملق للإناث والإطراء لهن والإفراط في مدحهن.. يوصلهن إلى بيوتهن مرافقاً إياهن مشياً على الأقدام، يسمع مشاكلهن باهتمام كبير، ويبدي تعاطفاً معهن ضد أبناء جنسه لأنه بمثابة الطفرة... يعبر عن إعجابه الدائم بصورهن ومنشوراتهن وأفكارهن وكل ما يتعلق بهن، يدافع عنهن على الافتراضي ويصاحبهن في الواقع.

وكما يحدث في دورة الحياة الأنثوية، الشخصيات الذكورية أيضاً تتغير لتتغير معها الاهتمامات والمواصفات والميولات حسب المراحل والظروف... كل شيء فيها يتغير، لكن الثابت هو البعد القدحي الذي يلصق بهؤلاء جميعاً، وأسلوب الاحتقار الذي يستعمله الآخرون للتعامل معهم.. صحيح أن كثيراً من سلوكياتهم سخيفة، لكن التوقف عندها لتفحص وجهها الآخر يكشف أشياء أخرى تدعو للشفقة ربما أو التعاطف، تعكس حاجتهم للمساعدة وليس التحقير.

فاتي فلور التي تضع وجه حسناء كصورة شخصية، وعنيبة الذي يختار صور شبان بعضلات مفتولة، يفتقد كلاهما للثقة في النفس، مهما حاولا إظهار العكس، يهربان من واقعهما ليتشبثا بطبقة تَمنَّيا الانتماء إليها، تستعمل أحمر شفاه على الموضة، وبجودة رديئة، ويرتدي هو سراويل تشبه التي يلبسها النجوم بماركات مقلدة، تستعمل الإغراء المبتذل أو التعفف المصطنع لتثير الانتباه، ويعتمد التملق لكسب الود، تساير محيطاً يحثها على تسخير دهائها لاصطياد ذكر قبل فوات الأوان، ويستجدي هو الشفقة لتحريك مشاعر البنات ويثبت بذلك فحولته... يصنعان السعادة على طريقتهما ولو اختزلاها في التفاهة، يرسمان طموحات تبدو غبية للآخرين، يفعلان أشياء كالتي يفعلها الآخرون أيضاً، أولئك الفاتي فلورات والعنيبون الذين لا ينعتون بهذه الألقاب لدواعٍ أخرى.

أجل، فالتافهة قد توصف بالأنيقة إن كانت فاتنة حقاً، وهوسها بالتجمل قد يوصف كعشق للموضة، وحرص على تنسيق الأشكال والألوان لا غير، تصنعها سيحسب حساً مرهفاً يعكس أنوثتها ونواقصها ستتلاشى أمام اعتبارات أخرى... أما عنيبة المداهن فقد ينعت باللبق إن كان ثرياً، وتباكيه سيعتبر حساسية، وغباؤه سيحسب براءة تزيده سحراً وجاذبية... المسألة كلها نسبية، وتفاهة البعض ليست أسوأ من نفاق البعض الآخر.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.