المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

فاضل الحمصي Headshot

إنه زمن الثورة لا زمن الحب

تم النشر: تم التحديث:

يميل بطبعه إلى العزلة والانفراد، وغالباً ما يكون وحيداً. يحب الجلوس في غرفة مظلمة هادئة، وتراه منكبّاً على القراءة من شاشة حاسوبه. حركته المعتادة أن يغلق الحاسوب فجأة، يشعل سيجارة، ويبدأ برحلة شرود طويلة، يتذكر خلالها، وبتكرار يومي، كل شيء في حياته، أصدقاءً وأحداثاً غيّرت كل شيء في حياته، إلا طبعه.
يذهب إلى عمله الليلي ويعود في عجالة، 5 ساعات لا أكثر، يعود بعدها إلى شروده وعزلته. من خلال شروده وساعات تأمله الطويلة، بات يدرك أن لا شيء في هذا العالم يستحق العناء، وباتت قناعته الراسخة: "ما كان لك سيكون لك رغم ضعفك، وما ليس لك لن تناله بقوتك"، هكذا ينتقل شاب في مقتبل العمر من ثائر مقدام إلى متصوف متواكل لا يأبه بشيء.
ملامحه تغيّرت، فوجهه المشرق بات أقل نوراً، وعيناه محاطتان بهالتين من السواد، كل من يراه يعتقد أنه قد أدمن نوعاً من الحشيش! والحقيقة أنه أدمن الوحدة وسهر الليل، حتى صار من النادر أن يصادف وجهه نور الشمس.
كان خبر زواجها صدمة قوية في حياته، فعلى مدى أكثر من أربع سنوات، اعتادا أن يفترقا لشهور، ثم تعود إليه، أو يعود إليها، لكن في المرة الأخيرة أتاه خبر زواجها بعد 5 أشهر من الخلاف الأخير.
كانت تقول له متى سنتزوج؟ فيقول الكلمة الشهيرة التي اعتادها أهالي سوريا مؤخرأ: "بس تهدأ الأوضاع". زواجهما الذي قرراه في نهاية صيف 2011 تعرض للتأجيل مرات ومرات، وكل مرة كانت تسأله عن السبب كان يقول: "هو زمن الثورة لا زمن الحب".
لقاؤهما الأول كان في بهو جامعة دمشق، وكان الأخير كذلك. ساعة ونصف من الحديث كانت كفيلة بجعلهما عاشقين. في نهاية تلك الجلسة ردد لها شيئاً مما قرأه من كتابات لغادة السمان: "وكأن الناس يصيرون عشاقاً لحظة تعارفهم، ثم تتأكد تلك الحقيقة مع الزمن، أو تتلاشى". أعجبها قوله، تبادلا أرقام الهواتف والبريد الالكتروني، وانصرفا بقليل من الهدوء وكثير من مشاعر الحب المتبادل.
في الشهور التالية، اعتاد محادثتها عبر الانترنت لـ 5 أو 6 ساعات يومياً، واستمر ذلك إلى أن بدأت الثورة، وباتت تلاحظ غيابه، وتتهمه بالإهمال، إلى أن صارحها بمشاركته في تنظيم المظاهرات ونشاطات ثورية مختلفة. ثارت ثائرتها، وقالت: "أيها المخربون، الحكومة ستكون لكم بالمرصاد"، ثم اختفت. بعد شهرين من الانقطاع فاجأته رسالة منها تقول: "لسا عم تشتغل مع الثوار. الله يحميك". كان ابن خالتها قد تعرض للاعتقال، واستشهد تحت التعذيب، فوجدت في الثورة وسيلتها للانتقام ممن قتل عزيزاً على قلبها.
في الأيام اللاحقة، تحولت أحاديثهما إلى السياسة، وبدأ يحدثها عن التغيير القادم، وعن قرب سقوط النظام، وعما ينتظر أطفالهما من نعيم في دولة الحرية والقانون المنتظرة. كان مللها يبدو واضحاً مما تعتبره تنظيراً، لكنها تحبه أن يسرد مغامراته أثناء المظاهرات، وتصر على القدوم إليه للمشاركة في إحداها، ويمنعها بحزم.
بعد سنتين، وبعد أن طال الأمر أكثر من اللازم، قالت له: "الثورة شغلتها طويلة ولازم نتزوج أو نفترق". أصابته الصدمة، واختفى لفترة طويلة. مرت ستة شهور، تعرض خلالها للملاحقة الأمنية، فغادر إلى تركيا، وفقد الأمل من حبيبته نهائياً، وهناك أصابه ما يشبه التوحد، إلى أن أتته الرسالة المنتظرة منها "حبيبي اشتقتلك". كانت تلك الرسالة بمثابة عودة الروح. أحاديث طويلة دارت بينهما، تحدثا خلالها عن كل التفاصيل خلال فترة الفراق، عن ملاحقة قوات الأمن له، واعتقالهم لأصدقائه، وعن رحلة هروبه من مدينته الثائرة، أما هي فبدأت تحدثه عن تخرجها من جامعتها، وعن نجاح النظام في إعادة الاستقرار إلى دمشق! سألها: "عن أي استقرار تتحدثين؟ وعن أي نظام؟".
من خلال أحاديثها بدت ميولها واضحة إلى الانتقال من مناصرة الثورة إلى تأييد النظام، فتذكر سؤاله لها ذات مرة: "هل أنت متلونة؟" أجابته ساخرة: "أنا بيضاء وسوداء، تقنية الألوان لم تدخل منزلنا بعد!".
مرت شهور طويلة، كانت حافلة بالخلافات السياسية، وباغتته بقولها: "لقد حان وقت الزواج أو الافتراق، وعليك أن تأتي إلى دمشق وتجري "مصالحة" وتسوّي وضعك في فرع أمني، لا يمكنني أن أتزوج من مطلوب!". لم يُجِب، أنهى المكالمة فوراً. وشعر بثقل العالم كله يجثو فوق صدره.
فكّر طويلاً، وهذه المرة بعقله لا بعاطفته، قال في نفسه: "كيف أحببت امرأة متلونة؟ كيف آمن على مستقبل أطفالي مع من تتبدل حالها من يوم إلى يوم؟" بات مقتنعاً أن الثورة هي الحقيقة الوحيدة في حياته، وهي وحدها لا تتبدل ولا تتلون مهما أصابها من صدمات. مُنهياً أمر التفكير بحبيبته ردد في نفسه بارتياح: "إنه زمن الثورة، لا زمن الحب".

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.