المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

المصطفى أسعد Headshot

تونس الثائرة.. بعيون مغربية

تم النشر: تم التحديث:

يصعب الحديث عن "إفريقيا" التاريخية القديمة، وتونس الحديثة بلد أبي القاسم الشابي، الخضرة، الهريسة والتنوع الثقافي التاريخي، لكنها فقط كلمات وذكريات قابعة في مفكرة مغربي مار من هناك ذات أسبوع.

فعلى ضفاف البحر الأبيض المتوسط تقف تونس شامخة، معتزة بتاريخ كبير، حاملة حضارة الرومان والإغريق والفنيقيين والأتراك والعرب الأمازيغ...

يظهر البوعزيزي في وجوه الناس، فمنهم من يترحم عليه ومنهم من يلتمس له العذر، كثير من الجمال وقليل من الكلام، تنوع في الحياة والانتماء والأيديولوجيا تلمسه في كل زقاق من أزقة العاصمة تونس، حب وترحيب يبدأ من رجل التوقيع على الجوازات بالمطار، مروراً برجال الأمن إلى غاية دخولك لأزقة العاصمة.

تونس العاصمة..

تعتبر العاصمة تونس أكبر المدن من حيث عدد السكان، تطل على الجانب الشرقي لخليج البحر الأبيض المتوسط وتتركب المدينة من جزأين: جزء قديم يتمثل في المدينة العتيقة التي تقع على ربوة ذات منحدرات خفيفة متجّهة نحو بحيرة تونس شرقاً ونحو سبخة السيجومي غرباً، وجزء حديث يتمثل في المدينة الحديثة التي تمتد حول المدينة العتيقة والبحيرة.

تعتبر مدينة تونس المركز الاقتصادي والاجتماعي الرئيسي في البلاد، ومن أبرز معالمها جامع الزيتونة ومدينة قرطاج التاريخية التي تحتاج لوحدها لكتب عديدة للحديث عن مآثرها التاريخية وبعدها الثقافي والموسيقي الحالي.

بالعاصمة تونس حركة نقل جد صعبة، أسواق شعبية وأخرى عصرية ومقاهٍ بكل مكان، شارع الحبيب بورقيبة فرح بزواره، مبتسم كابتسامة الحبيب عندما كان يمسك الحكم، دبلوماسي كثيراً وواقعي، علماني لأبعد الحدود، ويقطعه شارع محمد الخامس في أجمل صور التلاحم المغاربي والتواصل الإنساني، وأينما وليت وجهك تجد لافتات اتحاد العمال ونضالهم اليومي من أجل ترسيخ قيم الحريات والحقوق التي قطعت تونس بها أشواطاً كبيرة ومسافات عدة أهلتها بأن تنجب جيلاً بوعزيزياً قادراً على التغيير السلمي والانتقال السلس للسلطة.

سيدي بوسعيد.. شفشاون التونسية

هادئة ترتدي الأبيض والأزرق وتتزين بالحيك وألوانه الطبيعية والفخار والمنتجات التقليدية، تطل على البحر الأبيض المتوسط من الأعلى فتكتمل الصورة، منازل من الزمن الجميل تحكي قصة مكان ليس ككل الأمكنة، حيث الصعود للقمة يفتح شهية المصورين وعشاق الطبيعة لرؤية إبداع الخالق وقدرة المخلوق، لوحة فنية راقية، نزولاً للبحر من الأعلى تجد المقاهي التقليدية حالمة منتشية بجلوس الزوار والأجانب لاحتساء الشاي بالنعناع والاستمتاع بالحياة في زمن الموت.

المتجول بسيدي بوسعيد كمن يتجول بشفشاون المغربية، نفس تقاسيم الوجه ونفس التجاعيد ونفس اللباس، تتغير المسافات وتتوحد الصور في بهجة مغاربية تكتمل بوضع أحد الباعة المتخصصين في بيع الحلو من الفواكه الجافة المعسلة للوحة الملك محمد السادس بمحله اعتزازاً وفخراً بقدومه ذات يوم لتشجيع السياحة التونسية التي تحتاج لكل الأحرار بهذا العالم لإنصافها وهي تواجه مخططات البعض الخبيثة من جهة، وسياسة التطرف والعنف من بعض الجهلة من جهة أخرى، جعلت قوى الشر تتوحد للقضاء على بسمة شعب يحب وطنه لأبعد الحدود، ويصيح بكل وقت حماة الحمى يا حماة الحمى، هلموا هلموا لمجد الزمــن، لقد صرخت في عروقنا الدما، نموت نموت ويحيا الوطن..

قليبية والحمامات.. سياحة البحر

قليبية هي مدينة تونسية تقع في ولاية نابل في الشمال الشرقي للجمهورية التونسية، وتبعد عن العاصمة بـ105 كيلومترات، تتميز بوجود أهم مرافئ الصيد في تونس إذ يصل إنتاج الميناء إلى 15000 طن، تحتضن قلعة قليبية التي يعود تاريخها إلى العصر البيزنطي، وتستمد مدينة قليبية اسمها العربي من اسمها الروماني القديم وهو كْلُوبِيَا Clupea، وهي قلعة واقعة أعلى الجبل وتحيط بها الأشجار من كل صوب، وبمجرد النظر منها على البحر الأبيض المتوسط ستأخذك مخيلتك نحو كلمات عبدالحليم حافظ الماء والخضرة والوجه الحسن... الكثير من الهدوء بذاك المكان كفيل بأن يعيش معه المرء في زمن الأحلام الواقعية.

على مقربة من قليبية تقع الحمامات زيادة عن كونها موطناً للاستجمام والبحث عن الرّاحة والسّكينة، فهي أيضا بلد له أهله بعاداتهم وتقاليدهم المتوارثة في شتّى الميادين الصّناعية والفلاحية، وهذه الصّناعات التّقليدية تعكس ما جلب عليه الأهالي من إتقان ودقة وصبر. فالبحارة قد تناقلوا من جيل إلى جيل طرق صيدهم التّقليدية عبر العصور بكل أمانة، ونسوق على سبيل الذّكر التّقنيات الأكثر استعمالاً عند صيادي الحمامات كالصيد بالأضواء للسردين والسكمري والصيد بالشص لأنواع أخرى من السمك.

الحمامات مدينة للأسوار بامتياز؛ حيث يرجع عهدها إلى الأشغال التي قام بها الأغالبة في القرن التاسع، وبنو زيري من الصنهاجيين في القرن الحادي عشر، وتم ترميم هذه الأسوار جذريا في سنة 1236، وخصوصاً في سنة 1436، وقد تعود الأجزاء العليا في هذه التحصينات إلى زمن الترميمات التي قام بها الأتراك في القرنين السادس عشر والسابع عشر، وكذلك الحصن المثمن الشكل الواقع بالجنوب الشرقي والمكون من ركام من التراب المدقوق. كما أن تعلق السكان المحليين بهذا المبنى يفسر إلى حذ بعيد بقاءه في حال جيدة من الحفظ والصون، وفعلاً، فإن السلطة المركزية لم تكن هي التي تتعهد أسوار الحمامات بالصيانة، بل كان السكان هم الذين يتعهدونها بأنفسهم، وكان أحد الوكلاء المتصرفين في مجموعة من أملاك الأحباس، مكلّفاً بتعهّدها بالإصلاح حتى نهاية القرن التاسع عشر، وهو ما ينبئ به الطابع المتقادم لمعمار هذه الأسوار، والبناء ذو شكل متوازي الأضلاع.

وإذا كانت هذه هي الحمامات القديمة فياسمين الحمامات سياحة من نوع آخر، وهي منتجع سياحي في مدينة الحمامات السياحية، أنشئ في أواخر 1990، وتم تأسيس هذا المنتجع ليواكب السياحة العصرية؛ حيث ستجد هناك مجموعة من الفنادق المتنوعة والخدمات والأجمل ستجد به قرطاج لاند، وهي مدينة ملاهٍ فخمة وضخمة وتعتبر أكبر مدينة ملاهٍ عرفتها إفريقيا، ويميزها شكلها عن أي مدينة ملاهٍ أخرى، وهو النمط المعماري القديم، ومجسماً مصغراً لتونس.

تونس التي في خاطري..

متحدية كل المخططات التخريبية للبعض، راسمة لشعبها مستقبلاً ديمقراطياً خالياً من العقد والصراعات تمشي منتصبة القامة، حالمة بغد أفضل يحترم الشعب ويعيد السياح أكثر من ذي قبل، يحكي تونسي والدموع تملأ عينيه على مقربة من متحف باردو: "إننا شعب نحب الحياة، نعشق السلام، لا نعرف ما يحدث لنا لكننا متشبثون بغد أفضل ونحن من بيدنا صنع ذاك الغد".

على مقربة من قرطاج لاند بالحمامات يتألم المرء من نزول للسياحة تظهر في الشوارع ويعاني منها أهل أبي القاسم الشابي وهم ينشدون بأعلى صوت: "إذا الشعب يوما أراد الحياة.. فلا بد أن يستجيب القدر.. ولا بد لليل أن ينجلي.. ولا بد للقيد أن ينكسر"، هي حرب دائمة للقضاء على الجهل المنتشي داخل مجتمعاتنا، تلك المجتمعات التي ترفع شعار التغيير وتصطدم عادة بصواريخ من كل الجهات، إنها اللعبة القذرة للمتحكمين بمصير أمة يضبطون جيداً مكانيزمات ذاك التطور بحذر، ولا يتركون لنا فرصة الفرح بالديمقراطية ظناً منهم أننا لا نستحقها، أو أننا لو تمتعنا بها نشكل عليهم خطراً، وهذا هو لب الموضوع وكنهه، وتبقى تونس رسالة لهؤلاء أن الخبز ليس فقط من يصنع الدول، وأن الحياة كفاح وتضحية من جيل لجيل، وسيذكر التاريخ ذات يوم أن هناك من صنع "الربيع"، إي نعم لم يقطف ثماره أو أراده البعض أن يصبح خريفاً يائساً ويابساً، لكن الربيع يطرق أبوابنا ثلاثة شهور بالسنة، وعنوانه البارز تحصيل مستمر لتطوير الوضع، وحرب ضد التخلف والتطرف، وأمل في شباب يفخر بتاريخه الضارب في عمق الزمان ودينه الإسلامي الحنيف.

وتبقى تونس ثائرة، فاتنة ورقيقة أكبر من حجمها الجغرافي، تمشي كعارضة أزياء تحافظ على رشاقتها وجمالها، شعبها أصيل وكريم بالفطرة، طبيعتها هادئة خضراء تنعش المارين من هناك، وطن يحب الآخر اليوم وغداً وبعد غد... زوروها فستحبونها "برشا برشا".

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.