المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

دانة أبو حمدان Headshot

الطريق المختصر

تم النشر: تم التحديث:

دخلتْ محل بيع الاحتياجات الاساسية، اشترت ورقة يانصيب، كشطت الأرقام ثم سلمتها للبائعة، بعد أقل من دقيقة وببعض الأسى المفتعل قالت لها البائعة: أنا آسفة لم تربح هذه الأرقام، حاولي غدا ربما تربحين الجائزة الكبرى وحينها ستتغير حياتك..

هكذا نحن تماما نريد تغييرا سريعا قليل الجهد عديم الألم، أريد أن أصحو ذات يوم على رنة هاتفي والشخص على الطرف الآخر يخبرني أنني حصلت على الوظيفة الحلم، أو أن لي قريبا لم أعرف عنه، توفي في بلد لم أدرسها في كتب الجغرافيا وأنني وريثه الوحيد وقد حصلت على بضعة ملايين، حينها لن يهم الاتصال السابق، فأنا ربما لن أحتاج أن أعمل بعد اليوم.

أزور المكتبة أتفقد الرفوف، قسم تطوير الذات غني ومتنوع، كيف تتخلص من عملك اليومي؟ كيف تتعلم لغة جديدة خلال 30 يوما؟ كيف تفعل ما تحب وتحب ما تفعل؟.. كتب شتى ووعود جميلة كوعود المرشحين للانتخابات، كتب ومقالات كلها تحمل خطوات بسيطة قد لا تتجاوز العشر لتصبح أذكى أو أغنى، لتحصل على الحب وتشفى من الاكتئاب، وتتخلص من الوزن الزائد، وتحصل على جسم مشدود وصحي.

تقرر أن تتصفح الإنترنت فتلاحقك الصفحات الإعلانية والمقالات، صفات السعداء، ماذا يفعل الأغنياء؟ وصور ما قبل وما بعد، وكيف حولت تلك الحبة السحرية وذلك المشروب الأخضر ذاك الجسد المترهل وتلك الدهون المتراكمة أو تلك التجاعيد إلى أجسام رشيقة ومتناسقة ووجوه شابة نضرة كأنها لم تزل في عشرينها.

ومع كل هذه المعرفة المتاحة، وكل الخطوات والتعليمات، أتساءل لماذا لا أزال كما أنا وأنتم كما أنتم؟ لماذا لم يزل هناك مشاكل سمنة وآلام ظهر واكتئاب؟ ولماذا لم نزل نحتفظ بوظائفنا المقيتة والتي بالكاد تسد الرمق؟
أتراني أفضح سرا إن قلت لكم أن مشكلتنا هنا، في العقل والقلب أحيانا! مشكلتنا أننا في بحث مستمر عن طريق مختصر، عن حبة سحرية، عن تغيير يحدث في يوم وليلة، نحن لا نريد الخوض في المستنقع، نريد أن ندور حوله، أو ربما أن نطير من فوقه، لا نريد أن نخوض في وحل الخوف والخجل والانتقاد، أن نواجه الناس، أن ندافع عن أحلامنا، أن نلتزم بخطة تقتضي وقتا وجهدا وتجعلنا نخرج من إطار حياتنا اليومي لنحصل على الحياة التي نريد.

أغلبنا نعرف "كيف نصل" ما الذي نحتاجه لنخسر هذ الوزن الزائد، لنحصل على وظيفة أفضل، أغلبنا قرأ ويقرأ ويستطيع أن يقرأ هذه الكتب اليوم قبل الغد، لكن المشكلة أننا نتهرب من التنفيذ، نتكاسل، نتحاشى الاعتراف بالمشكلة الحقيقية، بما يقف في طريقنا، بهذه الأنا التي تعودت الكسل وعشقت الراحة.

المشكلة أننا فقدنا الصبر، ضيعنا المثابرة وقوة العزيمة وعلو الهمة. المشكلة أن الجيد شغلنا عن السعي لتحقيق الأفضل، وصرنا ترسا يدور في ماكينة الحياة الروتينية، وسمكة يدفعها التيار حيث شاء كما يدفع الطحالب والأسماك الميتة.
وحين نصاب بالقلق أو حين نفشل نركض إلى الشكولاتة أو إلى التلفاز أو الهاتف الذكي، نغرق في ألعاب الفيديو، أو ننشغل بمتابعة دراما كورية أو تركية كي نتهرب من أنفسنا وننسى أو نتناسى.

الصعوبة حقيقة لا يمكن الهرب منها، ولا حصانة ضد الفشل، الشعور بالخوف، بالخجل بالضعف هي علامات الطريق لتحقيق ما تريد، لا طريق مختصر، ولو كان هناك كنت سلكته، الطرق المعبدة لا تقودك إلا إلى ما أنت فيه، النجاح والتغيير وتحقيق ذاتك لا يتحقق من كرسيك الوثير من منزلك، لا يتم تحميله من خلال كبسة زر على هاتفك.

أن تعرف لا يكفي، أن تعمل لا يكفي أيضا، عليك أن تعرف وتعمل وتلتزم، عليك أن تخلع عباءة الناس عنك وتلبس جلدك وتمضي نحو حلمك، ستسقط مرة، مرتين أو عشرا، قم وتابع طريقك، ستلتقي بمن يسخر منك، من يحاول قص أجنحتك أو تخدير همتك، لا تركن إليهم، أغلق أذنيك وقلبك وتابع طريقك، سيغلبك الخوف أحيانا، سيثقلك اليأس كي تترجل عن صهوة حلمك وتستريح، سيناديك التيار كي تمضي معه، سيغريك بالراحة وبالسلامة، لا تتنازل عن مسارك، ثبت عينك على الهدف وتابع طريقك حتى لو حبوًا أو زحفًا المهم أن تتقدم باتجاه حلمك.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.