المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

برهان المرداس Headshot

موجة الإلحاد والربيع العربي

تم النشر: تم التحديث:

موجة كل يوم تتزايد أنكرها من أنكر وبكى على أعتابها من بكى وفرح بها من فرح, هي تتزايد.. موجة الإلحاد في الدول العربية يوماً عن يوم تتزايد, وفي مجتمعات دينية متشددة كم وضعت من قوانين وإجراءات من أجل حماية العقيدة والسعي للحفاظ على الدين بخطوات أقل ما يقال عنها أنها بعيدة عن الإقناع والإيمان الذي لولاه لا قيمة للدين, موجة الإلحاد التي ظهرت في الوطن العربي يحاول تغطيتها وإنكارها المتدينون والجماعات الإسلامية والدعاة يستخفون بها ويرونها موضة من موضات الشباب التي ستنتهي كما انتهت سابقاتها, يقاومونها بتغطية العيون ورؤية كل شيء باللون الوردي الجميل وبتطمين أتباعهم ومن أتباعهم من يحدث نفسه بها.

لست مستغرباً من هذه الموجة ولست مستغرباً حين أسمع أن الكارهين للدين من فئة الشباب في ازدياد مستمر ويظهرون بوجوههم واسمائهم ويواجهون عائلاتهم وأصدقاءهم ومجتمعاتهم المحيطة بكل جراءة بأفكار ما تعودت عليها هذه المجتمعات, لست مستغرباً من قراءة دراسة حديثة نشرتها الواشنطن بوست, تلك التي نفذها معهد غالوب الدولي (WIN-Gallop international) تحت عنوان (مؤشر عام حول الدين والإلحاد), يفاجئنا فيها أن أول دولة في العالم الإسلامي تعاني من نسبة إلحاد عالية هي المملكة العربية السعودية والتي قاربت فيها نسبة الملحدين بحسب الدراسة ٦٪ , وبهذا تعتبر السعودية أول دولة إسلامية تتجاوز نسبة ال٥٪ في نسب الإلحاد فيها, وهي بلد الرسالة المحمدية ومن أكثر الدول التي تتسم بالحكم الديني بجانب إيران, هي الدولة التي فيها شرطة دينية لحماية الدين والعمل على ضبط تطبيقه في الشارع ومقاومة كل من تراهم ضد تعاليم الدين هذه الشرطة المسماة باسم (هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر), ومع هذا فقد تصدرت الدول الإسلامية في نسب الملحدين فيها, وفي ذات الوقت وبحسب الدراسة فقد انخفضت نسبة الملحدين في ماليزيا حيث قاربت نسبتها صفر بالمائة, مع أن نسبة غير المسلمين فيها تقارب النصف باعتباره ومع أنها لا تبذل ذلك الجهد لحماية الدين بقدر ما تعمل على إكرام الإنسان مهما كانت ديانته وتطبيق القانون في كل مجالاته.

إن تطبيق الفقه بهذه الشدة, وتحويله لقيود تتدخل في كل شيء بالحياة, ووجود أفكار مختلفة ومناهج متباينة لها أتباع يسعون لتنفيذها بالقوة, بعيداً عن القيم والمبادئ الأساسية للأديان, كل هذا أدى بشكل واضح إلى نفور الكثير من الشباب من الدين, ومن الملاحظ أن نسبة الملحدين زادت بشكل واضح في الشارع العربي وتزايدت أصواتهم بعد أول سنة من بدء الربيع العربي في العام ٢٠١١ ذلك الربيع الذي تصدرت المشهد فيه جماعات وأحزاب إسلامية واكبت موجات الغضب التي أشعلت شباب المنطقة العربية فأخرجتهم في ثورات عارمة أسقطت أنظمة مريضة وشبه منتهية, ركبت موجات الشباب العارمة وكلها رغبة في الوصول إلى الحكم وفق قاعدة (التمكين) التي تؤمن بها جماعات الإسلام السياسي وتتأصل في مناهجهم كما هي مغروسة في قناعاتهم بأنها قادمة لنشر دعوتهم (كل جماعة لوحدها), لأجل هذا التمكين والوصول للحكم وإقامة الدولة الإسلامية أقحموا الدين في كل ما مرت به المنطقة بنصوصه وأحكامه بشكل واضح بين شباب الساحات (المعارضة والمؤيدة), حتى وصل المشاهد المحايد من الفئة الصامتة إلى مستوى من الحيرة حين يسمع التناقض في الخطاب الديني بين الطرف المعارض والطرف المؤيد, وكأنه يسمع لخطاب دينين مختلفين وتعاليم إلهين كل منهما في واد, وظهرت حالات استغلال الدين لإسكات أي معارض لصوت الجماعات والأحزاب الدينية, فأصبح كل من يقف في طريقهم خائنا أو عدوا للدين وعقبة أمام التغيير المراد تحقيقه, وحالات اتهام الطرف الآخر بأنه متخاذل وبعيد عن أوامر الله (الممثلة لرغباتهم) لأنه محايد ولم يتبع ثورتهم, لأجل كل هذا الجنون استخدمت آيات وأحاديث وقصص تاريخية وفتاوى سوقت بشكل واضح لأهداف سياسية, كل هذه الأحداث صدمت جيلا جديداً لا يفكر بنفس طريقة الجيل السابق, ويملك من التمرد والجرأة مالم يملكه الجيل السابق, وازدادت ثقته بنفسه بعد إسقاط أنظمة عتيقة بأيدي شباب من نفس جيله, وهو نفسه الجيل الذي يسأل عن كل شيء ويبحث في كل شيء ويرى العالم مفتوحاً أمامه بكل الأفكار.

وما زاد الطين بلة هو ما لقيه هذا الشباب من ربيعه العربي وثورات الشباب فاجأتهم نفس الجماعات التي أشبعتهم كلاماً عن الله والدين وحين وصلت للحكم ولم تغير شيئاً من سياسات النظام السابق, شعر الشباب بأنهم مضحوك عليهم وملعوب عليهم باسم الله, تغيير لم يستفد منه غير المقربين من هذه الجماعات والأحزاب, وكان خطاب الساحات المحشو بالآيات والأحاديث وقصص البطولات التاريخية للصحابة والتابعين ذلك الخطاب الذي كان يذاع ليل نهار في ساحات الاعتصام كم كان كاذباً, وتلك الأحلام الوردية التي سوّقت بشكل قوي أثناء الاحتجاجات بدولة مدنية وحقوق الشباب والنساء ومستقبل أجمل للأطفال كم أصبحت كابوساً..

كل هذا خلال سنوات قليلة كأنها قرون مرت على هذا الجيل, أظهرت بعد الثورات موجات من الشباب الرافض لكل شيء يمثل للدين, ومنها بدأت تظهر حالات الملحدين في بعض الأماكن العامة وبدأت نقاشاتهم وأطروحاتهم تظهر بدون خوف, فنسبتهم في تزايد, وأفكارهم في انتشار مستمر.
مواقع التواصل الاجتماعي والمدونات والإنترنت بشكل عام كل يوم يتزايد فيها محتوى معارض للدين, كثير منه يتسم بالإقناع والأبحاث الحديثة وما وصلت إليه المؤسسات العلمية العالمية, كل هذا يستدعي بشكل جاد إعادة النظر في هذا الفقه الذي كان مناسباً لما قبل الألف سنة من العصر الحالي, وإعادة النظر في الفكر الديني الذي يسيطر على حياة الناس ويخيفهم من هذه الحياة وكل جديد فيها, يجب أن يعود الدين كما كان منمياً لروحانية الإنسان وموجها لقيمه ومنبهاً لها, والحياة تتجدد في ظل إنسان مستقر روحانياً وملتزم قيمياً لا غير.

إقحام الدين في كل شيء, ووجود جماعات توكل نفسها للدفاع عن الله ودينه وأنبيائه وكل من تراهم صالحين سيستمر في إشعال هذه الصراعات في المنطقة العربية, وسيستمر في إبعاد الجيل القادم عن الدين, وسيستمر هذا الجنون الذي أقلق الحياة وكل محب لها..

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.