المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

بشر عبد الهادي Headshot

حضارة التعب

تم النشر: تم التحديث:

في شهور غربته الأولى اتصل لي شاكياً معاناته في موضوع اللغة والتفاهم مع الأتراك، وصعوبات غربته الأولى، ثم قال لي عن غير قصد "أنا لست مثل حالكم، بإمكاني أن أعود لبلدي وقتما أشاء".

ثم دار الحديث حول نصحه ليتحمل وأن هذا الموضوع طبيعي لدى أي مغترب يعيش بعيداً عن بلده.

للوهلة الأولى بعد أن أغلق الاتصال، جلست أفكر في عبارته عن عودته متى ما يشاء، عن الحرية التي لديه فقط من كونه يعود أو لا يعود كما هو حالنا كسوريين، فرضت علينا وفرضت علينا معايشتها والتأقلم معها شئنا أم أبينا.

مدننا وبدائلها
سنتان في الغربة أحاول أن أبحث كيف تأقلمت بيني وبين نفسي دون أن أشعر، يمضي الشهر تلو الآخر وأنا أصرُّ على أنني شخص غير مستقر ولا أرى استقراراً في هذه الغربة التي بدأت قبل عامين بالتحديد، يشبه الأمر كما لو أنك تعيش حياةً متقلبة في مدينة، تحاول أن تقنع نفسك في مسارك الذي تمشيه بين أزقتها أنها مدينة بشعة، ثم عندما تشاهدها من نافذة الطائرة من الأعلى تكتشف أن لهذه المدينة جمالاً نسبيًّا، أمر يدفعنا كسوريين أن نحاول الخروج من قوقعتنا التي غطينا أنفسنا بها، من الصعاب والتحديات وصولاً للتأقلم والتعايش مع الأتراك بالرغم من الاختلافات الكثيرة فيما بيننا، إلا أننا نعود وننظر لأنفسنا لنكتشف أننا متأقلمون.
من المحزن لنا كسوريين حجم مأساتنا التي تتضاعف عاماً تلو الآخر دون حل يريح بال أغلبنا، تحولت مدن تركيا لمدننا البديلة، أضحى الكثير من الحلبيين على سبيل المثال يرون في "عنتاب" بديلاً عن "حلب"، وأنها قريبة لها لحد الشبه، في حين يتركز أغلب سكان "دير الزور" و"الرقة" وبقية مدن المنطقة الشرقية في "أورفا".
ثم تأتي "إسطنبول" لتكون أشبه بحاضنة للدمشقيين وبقية أبناء المدن السورية، وصولاً لمدن "أنطاكيا" التي تركز بها جزء من سكان الساحل السوري و"إدلب".
خلال تنقلي بين هذه المناطق أحاول أن أقنع نفسي بأنها ليست مُدُنَنَا وما نحن إلا زوار قادمون لوقت مؤقت، فنحن لدينا بيوتنا التي ما زالت تنتظرنا أو لنقل ركام بيوتنا وما تبقى منها من غبار ينتظرنا أن نزيله.
لدينا ذكريات مع مدننا أصعب من أن نشرحها في السطور أو نعرضها في الأفلام، ثم شيئاً فشيئاً تنتج لي فكرة أن سوريا بلد من الصعب وصفه في هذه الأحرف الخمسة.
سوريا مدن ولهجات وتقاليد تختلف ضمن الحارة الواحدة، وصولاً للقرى والبلدات فيما بينها، سوريا ثقافة متباينة، طرقات وجسور وأرض وهواء، آثار وشعب أنهكته الغربة وازدياد المأساة محاولاً أن يشرح للعالم أنه شعب يريد العودة، وأنه لم يأخذ مفاتيحه كما فعل الفلسطينيون، بل تركها خلفه ليعود بيوم من الأيام القريبة.

فشلنا قليلاً!
سنتان حاولت أن أوضح الصورة لنفسي عن مؤسسات المجتمع المدني التي تعمل خلف الحدود، حاولت أن أصل لصورة واضحة لها عندما كنتُ داخل سوريا وعندما أصبحت خارجها، المئات وربما أكثر من ذلك من المؤسسات التي تم ترخيصها في تركيا والتي ترفع شعار "خدمة الشعب السوري" في حين قد تكتشف أن بعضها مؤسسات وهمية ولا تتعدى عن كونها شعاراً واسماً، وعدداً من الأشخاص الذين يقفون خلفها.

والمشكلة الأكبر في بعض المؤسسات أنها باتت تتاجر في معاناة الشعب السوري منفصلةً تماماً عن الواقع، مؤسسات في آخر أقاصي الأرض، مؤسسات في بريطانيا، مؤسسات في بلدات ومدن لم تسمع بها، كلها "تسعى لخدمة الشعب" في حين أنها بعيدة عن الشعب.
يقول لي أحد الزملاء بأنه سمع من مدير إحدى هذه المؤسسات الخيرية عندما ذهب المدير ليتفق مع مؤسسة شريكة قال لهم بالحرف الواحد: "كم ستكون نسبتنا؟" بهذه البساطة تظهر الصور المخبأة عما يقف خلف اسم "خيرية".

اصبر قليلاً..

شكوت لقريبي كثيراً عما أواجهه في الغربة، فما كان الرد سوى اصبر قليلاً وبعض من الجمل المرتبة، بحيث أروض ثورتي على ما يحدث، وبدوره يتصل عليّ ذات الصديق الأول ليشكو لي وكأني طبيب نفسي أسمعه على الهاتف كل يوم، الأمر الذي وصل بي لأن أتهكم عليه ممازحاً إياه بأني سأتقاضى أجراً مقابل الاستماع له، مما جعله يوافق على الفور ويشجعني على الفكرة!

كسوريين نحاول أن نقنع أنفسنا في الغربة باستمرار أننا سنعود في الغد لمدننا المتعبة، نحاول أن نضع شيئاً ما مما تعلمناه في الغربة، التي إن كبرنا أو صغرنا فيها سيبقى اسمنا "لاجئين"، وسينظر لنا الناس باستمرار على أننا "لاجئون".

وكأننا دون مستوى الإنسانية، ينظرون لنا على أننا لاجئون أينما ذهبنا، وتظهر عنصرية الإنسان أكثر في المطارات حينما يتم تقييمنا بناءً على لون جوازنا وجنسيتنا التي يحملها لا على إنسانيتنا، التي وضعنا لها تصنيف "أي جواز سفر أقوى في العالم".

هي ذات المشكلة التي نشترك بها كسوريين وعراقيين في المطارات، والتي نشكوها في تغريدة على تويتر أو مشاركة على فيسبوك تكون نتيجته عدداً من الإعجابات ثم يذهب أدراج الرياح، ثم تظهر تلك الفكرة التي تقول: "لماذا لم يسألوا أنفسهم لمَ نحن لاجئون؟".

البحث في عبارة "اصبر قليلاً".. تبدو بلا جدوى أحياناً، لكن معايشة الدائرة المحيطة في الغربة هي ما تجعلنا نصبر قليلاً، مشاهدة عيون سوري رزق بمولود جديد، أو أحد الذين فقدوا أطرافهم عاد للمشي مثلاً، أو أحد العاطلين عن العمل وجد فرصته التي ستساعده بأن يكمل مشواره في هذا الاغتراب هي ما تدفعك أمام كل تل التراكمات لأن "تصبر قليل".

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.