المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

بشر عبد الهادي Headshot

للمهرب سلام آتٍ

تم النشر: تم التحديث:

ينقلنا من الضياع إلى ذواتنا، يبين لنا طريق الصواب، ثم يهمس بأذن شاب ينوي أن يحقق حلمه بالوصول لأوروبا أو عائلة أتعبها الشقاء والذل: (شايف البحر شو كبير؟ خلف هذا البحر أوروبا).

ينظر إليه بعض مساكين الأرض بعيون برّاقة على أنه المُخلِص، في مشهد يستحق أن يُصور في أحد أفلام المعاناة الإنسانية الكلاسيكية، لاحكومات تواجهه، بالطبع ليس لأنه الرجل الخارق أو لأن لديه قوة خارقة للطبيعة، فحكومات العالم بأجهزة مخابراتها تعلم كيف تجد من تريد وتقبض عليه، تندد منظمات هذا العالم بمهربي البشر أو "تجار البشر كما تسميهم"، تعرف كيف توقفهم ببساطة كما تعرف من هي الرؤوس الكبيرة التي تقف خلفهم لكنها لاتوقفهم، تجعلهم يمارسون عملهم بسلام وحرية مطلقة.

المهرب تاجر مثله مثل بقية التجار، البعض ينزع عنه صفة الإنسانية لأنه يملأ مركب لايكاد يتسع لـ 30 شخص بأضعاف مضاعفة حسب حدسه الإستغلالي ونظرته للأمر الواقع، بعض المهربين ينجحون في صفقاتهم، يبحثون عن مركب مهترئ فيشترونه بـ 100 ألف دولار، ومن خلال حشر الناس فوق بعضها، يجنون 300 وربما 400 ألف دولار، فالشخص الواحد ثمن تذكرته للعبور لحياة الضفة الأخرى حيث المراعي الخضراء والأحلام الوردية التي تتحقق لايقل عن 1400$، وبهذا تصبح مهنة التهريب مكسباً حقيقياً تضرب كل المهن الأخرى كالمذيع والطبيب والمهندس والمصور وغيرها، حتى أن الأمر دفع بأحد الأطباء لأن يعمل مهرباً! (قصة واقعية).

لايقود المركب بيده، بحسه العالي يختار أحد الراكبين ممن يراه جديراً بالقيادة، فيأخذه ليعطيه التعليمات قبل الرحلة بساعة أو بساعتين!، ببساطة شخص يجهل في الإبحار والأمور الجغرافية والملاحة ووضع الطقس وشدة الموج.. يتعلم على الإبحار خلال ساعتين.. ربما على المهرب أن يمارس وظيفة الكتابة، فيؤلف كتباً من قبيل "كيف تتعلم الإبحار لأوروبا خلال ساعتين".. أو ربما لا فالمصلحة سر!

تمتلك دول أوروبا معاييرها الإنسانية التي يؤمن بها البعض وينكرها البعض الآخر، تفتح إحدى دولها اللجوء في وجه اللاجئين السوريين الذين طحنتهم الحياة فاختاروا سبيل البحر، فينادون لها "ماما ميركل" لشدة حنانها حسب رأي البعض، ويصرخ شخص آخر فرحاً بعد أن وصل ديارها في الإنكليزي قائلاً (i Love you Germany)! أما شخص آخر فيعيش صدمة منذ وصوله لتلك الأراضي بعد أن شاهد عاطفة وتضامن الألمان معه بشيء ربما قد يشبه قصص الرسوم المتحركة التي كان يشاهدها وهو صغير، عالم تذهب إليه تعيش فيه وتصرف الحكومة عليك لأنها مسؤولة عنك بينما تجلس في المنزل تحتسي الشاي مطمئن البال وتفعل ماتريد (وهذا تفسير البعض).

ربما لم تشاهد حكومات أوروبا الحنونة اللاجئين الذين يركبون طريق البحر فيغرق النسبة الأكبر منهم حتى يصل القليل بعد صدمة نفسية ستستمر شهوراً وشهوراً، مع أن حكومات أوروبا تعيش الحداثة وتمتلك وسائل إعلام أسرع من وسائل الإعلام العربية بآلاف المرات!، ربما هذه الحكومات لم تسمع قصص الذين وصلوا لأراضيها بعد أن شاهدوا كيف يصمت العالم عن قتلهم وتشردهم كل يوم فاختاروا هذا الطريق الذي زاد من أعداد موتاهم ولم ينقصها، ربما نضع الكثير من الاحتمالات لكن بعد أن تشاهد الخيار الوحيد أمام اللاجئين وهو الغرق تفكر للحظة.. أن هذه الحكومات تريد لهم ذلك!.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.