المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبد الله بلحاج Headshot

الشاعر والرئيس وسطوة الفن

تم النشر: تم التحديث:

من خلال استطلاعي لذكرى ميلاد الشّاعر الإيرلندي الذائع الصّيت، ويليام باتلر ييتس*، بأرشيف مجلة ذي أطلانتيك، صادفتُ حكايةً طريفةً في مايو/أيار 1919، بُعيدَ وفاة صديقه ثيودور روزفلت؛ حيثُ يروي ماوريس فرنسيس إيغان، كيفَ قامَ الرّئيسُ، وهوُ قارئٌ نهمٌ للأدبِ الإيرلندي، بتنظيمِ لقاءٍ مع ييتس.

الشّاعرُ الإيرلندي بدا سعيداً، لكنّهُ كان صامتاً، وبينما رفعَ روزفلت نظّارتيه قليلاً محاولاً فتحَ حديثٍ جانبيٍّ معه، شرعَ ييتس بالحديث فجأةً قائلاً للرّئيس: "الشّعوب الصّغيرة هي الأوْلى باهتمامنا". "أوه نعم" ردَّ الرّئيس متفاجئاً واستطردَ: "أؤمن مِنْ كُلِّ قلبي بحماية الأمم الصّغيرة"، إلا أنّ ييتس بدا مستغرباً من هذا الردّ، فقالَ: "أقصدُ بالشّعوبِ الصّغيرةِ، سيّدي الرّئيس، الجِنّيّاتِ الإيرلنديّة!". فكانَ الدّورُ على روزفلت لتعلوهُ نظراتُ استغراب، فحدجَ ييتس بنظرةٍ ملتمعة قائلاً له: "سيّد يـيتس، هلْ سبقَ أنْ رأيتَ جِنّيّةً إيرلنديّة؟"، "أوه، نعم، مرّاتٍ عِدّة" ردَّ ييتس بنبرةٍ جدّيةٍ، واستطردَ قائلاً: "كما أنّي لستُ الوحيد، بلْ أنا متأكِّدٌ مِنْ أنَّ كُلّ إيرلنديّ رأى الكثير منها، مراراً، خاصّةً العجائز الذّينَ يجزّونَ العُشبَ عندَ الغسقِ، لكنّها ليست كائناتٍ ضئيلةً كتلك الجنّيّاتِ الإنكليزيّة، بل إنّها عملاقة، كما لو أنّها ألهةٌ قديمَةٌ قدْ بُعِثَتْ مِنْ جديد".
وما إن أنهى ييتس حديثه حتّى قطّبَ الرّئيسُ حاجبيه، بينما شعرَ أبناءُ الرّئيسِ بألفةٍ مع ما يحكيهِ ييتس.

كم كانتْ مُبهجةً ومُحرجةً في الآنِ ذاتهِ، تلكَ اللّحظة بينَ اثنين من عمالقة التاريخ. كان هذا ييتس، الذّي تمَّ تقديمُهُ لرئيسِ بلدٍ أجنبيٍّ، ورغمَ ذلكَ، لم يجدْ غضاضة في التّحدُّثِ عنِ الجنّيّات والأشباح.

رغم أنّه كان محرجاً، فإنّ حديث ييتس الطريف، ما كان على الرئيس روزفلت سوى أن يتغاضى عنه، هذا الرئيس الذّي يُعدُّ، حسبَ كثيرينَ، أكثر رئيس استبداديّ عرفتهُ أميركا، كما اعترفَ بذلك بنفسِهِ، كيفَ لا، وهو الذّي أعاد العالم إلى حظيرة الطّاعة بسياسة "الكلمات الهادئة والعصا الغليظة".

بيْد أنَّ ييتس، كما جاءَ في الملفِّ الذّي أعدّهُ لويس بوجان* في مايو/أيار 1938 على مجلة الأطلانتيك: "يتبدّى في ذاكرة معاصريه، كإنسانٍ غامضٍ، شابٍّ فارعِ القامةِ، بملامحَ داكنةٍ، يسير عبر شوارع دبلن ولندن بقُبّعَةٍ شعريّةٍ، بعباءةٍ، وربطةِ عُنقٍ تلاعبُها الرّياح، ولم تكنْ الصّفاتُ التّي اشتهرَ بها ييتس واضحةً للمراقبينَ بعد؛ حيثُ إنَّه في تلكَ السّنواتِ الأولى كان ييتس بالكادِ يُطوِّرُ موهبته، ليصيرَ بعدها، ليسَ فقط ذلك الشّخصَ الذّي يمكنُهُ مجابهة الواقِعِ فحسب، بلْ ذلك الشاعر الذّي يمكنُهُ تطويعُهُ تبعاً لرغبته" انتهى الاقتباس.
من هذا المنطلق، ربّما، ينبغي قراءة قصيدته الأشهر "الطّفلُ المسروق"، باعتبارها قصيدة لا تحاول الهروب من الواقع، بل هي محاولة لتغييره:
"حيثُ أمواجُ الغسقِ اللّامعة
حيثُ الرّمال الرّماديّة المضيئة.. [...]
حيثُ سِرنا ومشينا
ننسُجُ رقصاتٍ عتيقة [...]
إلى حينِ اختفاءِ القمر.
حيثُ كُنّا نتواثبُ
ونُلاحِقُ الفقاعاتِ الرّهيفة
بينما العالمُ المليءُ بالصّعابِ
في نومِهِ يضطرب.
تعالَ، أيُّها الطِّفلُ البشريُّ!
إلى المياهِ وإلى البراري
معَ الجنّيّاتِ يداً بيد،
إلى عالمٍ أكثرَ اكتمالاً
مِنْ عالمِ البكاءْ
"[...]

بعدَ أسابيعَ عصيبة، (تقصد الأسابيع التي تلت انتخاب دونالد ترامب رئيساً)، تظلُّ تلكَ اللّحظةُ المحرجة بين ييتس وروزفلت تستدعي التّفكيرَ في أسئلةٍ كثيرةٍ قدْ تطرأ علينا: حول مكانِ الفنِّ، إذا كانَ ثمّةَ مكانٌ ينحصرُ فيه، حول الهِجرَةِ، والبراءةِ، حول الحُكْمِ والسُّلطةِ، حول حاجـتنا للدّفاعِ عنِ الشُّعوب المُحتقرة، بما فيها تلكَ التّي أجبرت على الشُّعور بضآلتِها، بسبب الرُّهاب الذّي يتمُّ شحنُه في الرأي العام ضدّها، بالهوموفوبيا، والإسلاموفوبيا، أو الزينوفوبيا، أو أيَّ نوعٍ آخر مِنَ الكراهيّة. إنّها لحظةٌ للتّفكيرِ في أنّهُ ما مِنْ أحد عديمِ الأهمّيةِ، وإنّها لحظة للتّفكيرِ، أيضاً، بأنَّ الإنسانِ قادرٌ على إنتاج الجمال كقُدرتِه على التسبُّب بالأذى.

ــــــــــــــــــــــــــ
* ويليام باتلر يـيتس (1865-1939): شاعر ومؤلف مسرحي إيرلندي كبير، يعد واحداً من كبار شعراء الإنكليزية في أوائل القرن العشرين. نال جائزة نوبل للآداب عام 1923. شخصية وطنيّة، وعضو مجلس العموم البريطاني، كان مؤمناً بالاشباح والجنيات والسّحر.
* ثيودور روزفلت (1858-1919): الرئيس السادس والعشرون للولايات المتحدة الأميركية. اشتهر بمقولته التّي اقتبسها من مثلٍ إفريقيّ "تحدث بهدوء واحمل عصاً غليظة، وستبلُغُ هدفك"، التّي صارت، فيما بعد، أيديولوجية سياسيّة تعامل بها مع الدول المعادية.

كتب المقال على مجلة الأطلانتيك: Rosa Inocencio Smith

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.