المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

بلال أبو ستيت  Headshot

تساؤلات حول حقيقة الوطن

تم النشر: تم التحديث:

في بادئ الحيوات كان الإنسان يجوب الأرض؛ ليستوطن منها مكاناً يكفل له رزقه ويضمن له حقه، فيتخذ من بيوته مأوى ويتخير من موارده عملاً؛ لينسج حوله حياة، ثم هو يرتبط بمكانه هذا ارتباطاً فطرياً فيعتاد طقسه ويألف أهله، ويرى نفسه في غيره غريباً، هؤلاء هم الذين صنعوا الوطن، أما من وطنوا أرضاً لم يكن لهم منها إلا" محل الميلاد "ثم هي لا تكفل لهم رزقاً ولا تضمن لهم حقاً فلا هم لها بأهل ولا هي لهم بوطن !

لعمرك ما ضاقت بلاد بأهلها ** ولكن أخلاق الرجال تضيق

قائل هذا البيت الشهير هو عمرو بن الأهتم السعدي، وظني أنه لو رأى حال مصر اليوم، وضيقها على أبنائها لما تجرأ على قول شطره الأول !

أين الوطن في شباب أفقدتموه الأمل في أي تغيير حسن، فقط لأنه أراد أن ينظف أياديكم مما اقترفته، فلم تحتملوا وقع كلمه "كفاية" وقمتم من فوركم بسحله وسجنه وقتله ثم حرقه، ومن تهيأت له الظروف ليفر من كل ذلك البطش تتم مطاردته، فهل هذا هو الرد المناسب لما قال؟
ألم يكن يكفي أن تقولوا لهم: "لأ مش كفاية، سنظل هكذا مجرمين؟!".

أين الوطن في دولة حياة الفرد فيها لا تساوي ثمن كوب من الشاي يقتات بعمله، فيقتل لأنه طلب ثمنه من شاربه.

أين الوطن في دولة تعجز بأنظمتها المتلاحقة عن توفير مصدر رزق لشبابها، ثم حين يكد الشباب لسد هذا العجز في البحث عن لقمة عيشه ولو بعربة عصائر أو فرشة إكسسوارات تطارده البلدية فتبعثر فرشته وتكسر عربته، وربما تحرقها وتحرق معها قلبه، وكأنهم يخبروهم: موتوا بجوعكم واتركونا بعجزنا !
يطاردونهم بحجة أن للدولة بأساً وكأن الدولة ليس لها بأس إلا على أبنائها، بل ليس كل أبنائها، ففي الوقت الذي تقتل منهم عمداً كل يوم في حوادث تدعوها "فردية" تسعى للتصالح مع آخرين اختلسوا من أموالها ما استطاعوا حمله ثم هربوا.

أين الوطن في صديقي الذي تخرج في كلية الهندسة عام 2012، فما هي إلا بضعة أشهر حتي تم اعتقاله على أثر احتجاجه على انقلاب 3 يوليو/تموز، كان هذا منذ ما يقارب الـ30 شهراً وحتى اللحظة، يقولون: محبوس على ذمة عدة قضايا، حسناً إذاً دعونا نتساءل: إن كان بريئاً فلم لم تطلقوا سراحه بعد؟
وإن كان حقاً مذنباً أفلا تكفي ثلاث سنوات لتثبتوا عليه إحدى هذه التهم؟!

ولأن صديقي طموح، فقد قرر أن يكمل دراسته في إحدى كليات التعليم المفتوح، ليس هذا هو المدهش، ما أدهشني حقاً يوم أن تقدمت بأوراق زميلي هذا للتسجيل في السنة الثانية من كليته، وفور أن أدخل موظف شؤون الطلاب الرقم السري على الحاسوب ظهرت النتيجة : "هذا الطالب معفى من المصروفات، منحة أوائل"، هذا جانب آخر من شخصية إرهابي لم تثبت عليه تهمة واحدة بعد تحقيق استمر لثلاث سنوات متتالية، وجارٍ إضاعة مزيد من عمره !
فهل هذا بوطن؟!

لما عاد أبي من السفر أخبرني أن الاغتراب أمر بالغ القسوة، ففراق الولد والأم والزوج والصديق ليس بهين، وللحقيقة هذا أكبر ثمن يدفعه المغتربون، لكن حينما تضغط الأم على ولدها للسفر بعيداً عن أحضانها، وحين تدفع الزوجة زوجها والابنة أباها نحو الغربة، ولسان حالهن" حر بعيد أهون من معتقل قريب"، فهذا هو حال الوطن يا أدعياء الوطنية.

هذه الظروف بالغة السوء ما تركت مجالاً للاختيار حين حصرت السلامة في هذا البلد بين أحد اختيارين: الأول أن تعيش لتعمل وتعمل لتتزوج فتأكل وتشرب وتنام ثم تنجب لترعى الصغار وهكذا حتي ينقصني أجلك، بتعبير موجز تعيش دورة حياة الأنعام.

أما الاختيار الثاني فيمكن إيجازه في هذه الكلمات: "البعد عنك نجاة"، أو ما يمكن أن نسميها "ثقافة الهجرة" من أرض ليست بوطن، لم تكن لنا أُماً حين كنا أبناءها ولم تكن لنا دفئاً حين كنا لها حطباً، وبلا شك تزداد هذه الثقافة وتتسع باتساع رقعة الظلم وتدهور الأحوال المعيشية.

الهجرة إلى أين؟

وهذا سؤال لم يعد يشغل بال الكثيرين الآن، لقد تجاوزته تردي الأوضاع المعيشية واتساع رقعة الظلم السياسي والاجتماعي، فلم تعد هناك ظروف أسوأ من تلك التي نعيش، فمنذ حين من الزمان ونحن نقبع في القاع وأي تغيير قد يحدث فهو بلا شك للأفضل إذ لا موضع أسفل من القاع.

لكن ما بات يشغلهم حقاً هو: الهجرة من أين؟!
هذا بعدما أصبحت البلاد سجناً كبيراً، وأصبح منع المواطنين من السفر والإبقاء عليهم داخلها جزءاً من العقاب !
وبات الهروب من المحروسة هدفاً لكل شاب طموح كان قدره أن يولد هنا، بمنطق "ربنا اصرفنا منها ولو إلى موزمبيق"!

كانت هذه محاولة لهدم ذاك الصنم الذي تغنى به أدعياء كثر، كانوا دوماً على رأس السلطة أو دوائر المقربين منهم، ملأوا بها عقول الناس وشحنوا بها مشاعرهم، ففي كل نازلة تردد الكلمة ذاتها مرات ومرات ليتحمل البائسون بصمت وليقتلوا في هدوء، وكأن هذا الوطن له علينا حقوق دون أن يكون عليه واجب واحد تجاهنا، وليس أدل علي ذلك من قول الشاعر: لا يغرنك هتاف القوم بالوطن ** فالقوم بالسر غير القوم بالعلن.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.