المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

بدرية جاسم  Headshot

عنترة ليس هنا يا عبلة

تم النشر: تم التحديث:

عنترة لم يعد ذلك الصلب المغوار يا عبلة، ولم تعد خشونته التي تثير ريبة العدو تُخيف قطةً, ولم يعد سواد لونه محطّ نبذٍ له أو سبباً لمعاناته حتى, لم يعد يستلّ سيفه حين يطلبه أحد أو يستنجده أحد. في الواقع, لعنترة الآن حساب على فيسبوك وإنستغرام وتويتر, أصبح يصور في السناب شات عندما يستيقظ ويستعرض عضلاته المفتولة, وقبل أن يذهب لعمله يسرح شعره ويملأه بالجلّ حتى يصبح صلباً كبنيته واقفاً كالديك.

يا عبلة لم يعد عنترة يمتطي جواده بل اشترى فراري وقد كان في الأسبوع الماضي في أحد المخيمات مع أصدقائه يشوون ويغنون ويعزفون وقد سهروا للصباح حتى غلبهم النعاس حين أذن الظهر ولم يصل بل نام في مكانه.

عنترة الآن لا يلطم أحداً لأجل أحد، ولا يدافع عن شرف امرأة قد لُطِمت عند أحد العيون فثارت غيرته ودافع عنها, أصبح الآن مهتماً بتسجيل لحظات حياته, الحوادث والمشاكل وحتى السرقات والجرائم إن واجه أحدها, فهو لا يكلف نفسه حتى بالتفكير في أن يبذل القليل من الشهامة ليتصل بالشرطة, بل يقف من بعيد ويأخذ "سلفي" لإنستغرام ثم يصور للسناب شات قائلاً: "الله يستر".

عنترة الآن يا عبلة ليس ذلك القوي الذي يهابه الجميع, فعضلاته المنتفخة ليست سوى مواد غريبة لا تمت للعضلات بصلة وإن كانت عضلات حقيقية فسنكتشف ذلك من خلال صوره على إنستغرام فهو لا يضيع لحظة تمرين حاملاً الأثقال بيد والهاتف باليد الأخرى.

عنترة يا عبلة ليس ذلك الحب النقي الذي شابه الليل بسواده والثلج بنقائه, بل هو ذلك الفتى اللعوب الذي يملك حبيبة مختلفة لكل يوم, يبدلها كما يبدل قمصانه غير مراعٍ لمشاعر إحداهن وكأنهن أدوات بلا مشاعر, لم يعد عنترة الآن يوفي لك وقلبه إن وجد لا مكان لك فيه.

عنترة الآن لا يشبه الرجال إلا بلقب "ذكر" الذي أطلق عليه في الهوية، فحين تتمعنين به جيداً لن تجدي سوى شيء ما يخلو من النخوة والغيرة والرجولة التي اتصف بها حبيبك ورجلك الشهم. لا شيء سوى شعر واقف كالديك أو كشخص مسّته موجة كهرباء لا ترحم أوقفت له شعره, وعضلات منتفخة للاستعراض فقط, يؤشر بيديه باستمرار فقط لتلاحظ هذه وتلك حجم عضلاته المغرية ليصابوا بالذهول فتقع الحمقاء في غرام هذا القوي الذي سيحميها دائماً، بينما هو إن طارده طفل يحمل صخره سيختفي دونما أثر.

عنترة الآن لم يعد ينظم الشعر في حبك يا عبلة، فهو لا يعرف كيف ينظم بيتاً من الشعر، فكل ما يعرفه هو كلمات تلك الأغاني الهابطة التي يتداولها بعض الشباب التي لا تملك حساً فنياً أو ايقاعاً أو حتى كلمات ذات قيمة, وأصبح يتراقص عليها كالأحمق يضع سماعاته في أذنه ويعلي على صوت الموسيقى حتى تخرج من أذنيه وهو يردد: "أنتي باغية واحد".

عنترة الآن ليس كما عهدتيه في الماضي فهو لا يعرف كيف يصطاد بعوضة فكيف باصطياد غزال, بل أصبح يتناول غداءه من ماك وهارديز وكنتاكي، وحين يتبع حميته الخاصة يتناول الطعام من صب واي قائلاً إن السعرات الحرارية أقل، كما أنه صحي أكثر.

عنترة الآن لا ينتمي للرجال في عصرك يا عبلة فاستريحي وعودي فمن تبحثين عنه, لا يعرف الحب الحقيقي ولا يملك الشهامة الحقيقية ليعاملك كامرأته التي يحب, فقد انضم لفيلق أشباه الرجال الذين يتزايد عددهم كل يوم بشكل مخيف، وإن لم تستطيعي أن تتقبلي هذه الحقيقة المرة اذهبي واصفعيه علّه يستفيق فإن لم تجديه ابحثي عنه في أحد الصالونات ستجدينه ممداً هناك يضع ماسكاً لأجل بشرته, فقد أرهقتها الشمس الحامية واكتسب سمرة زائدة.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.