المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أيمن موسى Headshot

التيار الأساسي واجب الوقت

تم النشر: تم التحديث:

نحو تيار أساسي للأمة؛ عنوان كتاب للقاضي الفاضل المستشار طارق البشري، صدر عام 2011، وضع فيه يده مبكرا على موضع الداء الذي أصاب - لاحقا - ثورة 25 يناير في مقتل! إنه داء الفرقة والخلاف الذي أدى إلى النزاع ومن ثم الفشل في النهاية! عرف البشري أن الداء هو اختلاف الكلمة فكتب يدعو إلى كلمة سواء يجتمع عليها كل الفرقاء السياسيين. كتب عن الأصول والثوابت الوطنية التي كانت على مدار أكثر من ثمانين عاما على رأس أولويات كل التيارات السياسية على اختلاف انتماءاتها وتوجهاتها، ولخصها في عنوانين هما القضاء على الاستعمار أو الاستقلال الوطني، وتصفية جميع أشكال الاستعمار غير المباشر أو التحرر من التبعية.

حتى نوضح للقاريء ما المقصود بمصطلح "التيار الأساسي"، ومكونات هذا التيار في الخريطة السياسية المصرية، ومدى أهميته ودوره في تقوية المجتمع وتوحيد قواه الحية، نقتطف هذه الفقرات من الفصل الأول من كتاب "نحو تيار أساسي للأمة":

يستند التيار الأساسي لبلد ما إلى أكبر قاسم مشترك بين التيارات السياسية والاجتماعية والثقافية في هذا البلد، ويعني الملامح المتضمنة في أطروحات تيارات عديدة ومتنوعة، وهذه الملامح تختزل ما تتفق عليه هذه التيارات في سياق تعاطيها مع متطلبات المرحلة التاريخية.

إن التيارات السياسية والفكرية، وإن اختلفت غاياتها وتنوعت، تلتقي عند غاية النهوض باعتبارها المدخل الرئيسي لمستقبل أفضل لمصر.
إن فكرة التيار الأساسي فكرة يستعصي تحقيقها من خلال المبادرات الفردية لكونها تولد من رحم التفاعلات السياسية والفكرية المتنوعة، حيث لا معنى لها مع غياب تعدد ينتهي إلى صناعتها وطرحها تتويجا للجدل الذي يحيط بها.

خريطة الفكر السياسي في مصر بشكل عام خلال السبعين أو الثمانين سنة الماضية تتكون من أربعة تيارات رئيسية هي: التيار الإسلامي والتيار القومي والتيار الليبرالي والتيار الاشتراكي؛ التيار الإسلامي يدعو ويؤكد على فكرة مرجعية وجامعة سياسية، مع تقديم بند المرجعية على الجامعة السياسية كجانب أساسي في دعوته. أما التيار القومي فيشدد على فكرة "الجامعة سياسيا" فحسب. على خلاف التيار الليبرالي الذي يركز على الجانب الاقتصادي دون إهمال الجانب السياسي. وأخيرا التيار الاشتراكي الذي يؤكد على الجانب الاجتماعي ويهتم بالصراع الطبقي في المجتمع.

هذه التيارات التي أفرزتها البيئة المصرية لم تبرز في وقت واحد وبصورة مفاجئة، بل كانت الحصيلة النهائية لحركة تاريخ مصر منذ سنة 1919.
لقد كانت المسألة الوطنية هي الإطار الجامع والمنتظم لجهود هذه التيارات والمؤطر لجدالاتها الطويلة المضنية. (ويعني الكاتب بالمسألة الوطنية هنا مقاومة الاستعمار المباشر وتصفية جميع أشكاله الأخرى غير المباشرة).

مسألة التيار الأساسي هي امتداد لحركة المشروع الوطني العام، تتم بلورته عن طريق الاستخلاص من الواقع الحي للحركة السياسية والثقافية القائمة في المجتمع.

التيار الأساسي هو نتيجة حوار دائم، والحوار ليس مجرد عقد مؤتمرات أو إجراء ندوات في الصحف والكتب، بل هو حوار يشمل كل أشكال الالتقاء والتحاور بين الحركات السياسية ونشاطها السياسي نفسه. بهذا المعنى تصبح المعركة الانتخابية حوارا، وتصير نتائجها المستخلصة، بغض النظر عن الأرقام والنسب، مرآة تعكس ما قد تتفتق عنه تفاعلات الحركة السياسية والاجتماعية والثقافية في المجتمع بتياراتها المختلفة.

واحدة من مشاكلنا اليوم أنه لدينا أزمة تبديد وتشتيت لقوى الأمة المادية والمعنوية وفي قدرتها على التجمع وعلى التدبر. إلى أي مدى إذا نستطيع، قبل التفكير في تحديد ملامح التيار الأساسي، أن نبلور أو نبعث نوعا من أنواع الحوار بعيدا عن الارتباكات التي يثيرها الصخب الإعلامي، المسئول إلى حد كبير، في نظري، عن المشكلة التي نحن بصددها. فالإعلام قد يركز أحيانا على قضايا قد لا تكون أساسية، فيجعلها تستهلك جهود الجميع وتستنزف طاقاتهم، محدثا ارتباكا فكريا كبيرا. كيف يمكن أن نتفادى الوقوع في هذا الارتباك لنخلص إلى التفكير بهدوء في قضايانا المصيرية؟ هذا هو السؤال الذي يطرح على النخب لتجيب عنه.

يبحث التيار الأساسي عما يُجمّع ويبتعد عن فكرة الطرح السلبي التي تُحوّل عوامل التقدم إلى عوامل جمود أو جذب إلى الوراء. فمنطق هذا التيار يدعونا للمقارنة بين أسلوبي تفكير في معادلة النهضة ويجعلنا وجها لوجه أمام مسئولياتنا؛ فإما أن نكون تقدميين نتحرك نحو ما يجمعنا ويحقق لنا غاياتنا المشتركة، على الأقل في عنوانها العريض، أو أن نستسلم للمنطق السلبي الذي يقودنا إلى الاستسلام لواقع التخلف والتجزئة والغيبوبة الحضارية.
إن التيار الأساسي، فيما أراه، يقوم بدور الطليعة في تحريكه تياران تاريخيان هما التيار الإسلامي والتيار القومي؛ فهذا التياران مرشحان تاريخيا وثقافيا للقيام بهذا الدور، وأتصور أنهما من الناحية التاريخية ينهلان من نفس النبع.

لو قمنا بتقسيم الأحزاب والتيارات السياسية الثقافية من أوائل القرن الماضي إلى الآن، سنجد فصيلين كبيرين: فصيل حمل سمات الوطنية الممزوجة بالثقافة الإسلامية وبالمطالبة بالتحرر من المستعمر، وقد كان التحرر من المستعمر يحتل لديه مكانة الصدارة، بينما كانت الديمقراطية لديه تحتل المرتبة الثانية مع التعددية. من هذه الشجرة تفرعت أحزاب وتنظيمات وتيارات الثلاثينيات. أما الفصيل الثاني فلقد أدخل التغريب والفرنجة على الثقافة العربية وكان له رشحاته وبصماته على الأحزاب الوطنية في العشرينيات وعلى الحركة الماركسية، ومن هذا التيار نشأت العلمانية الوطنية في البداية. ما أريد أن أقوله هو أنه غلب على الفصيل الأول لون معين من الفكر، في حين غلب على الثاني لون آخر، دون أن يقدح ذلك في وطنية أحد. (أ.هـ)

أعتقد أن كل من شارك في ثورة يناير - لوجه الله والوطن لا لوجه هواه أو هوى حزبه أو جماعته - كان بحاجة لقراءة هذا الكتاب الذي يصلح لأن يكون نواة لعقد اجتماعي جديد كنا في أشد الحاجة إليه قبل أن نتنازع فيما بيننا على الدستور أولا أم الانتخابات أولا! إن أزمتنا الحقيقية اليوم ليست في الانقلاب على ثورة يناير والإطاحة بآمالها وأحلامها ومكتسباتها التي دفع فيها هذا الشعب ثمنا باهظا من دمه وأمنه واستقراره. ولا في عودة نظام مبارك بأشد وأشرس مما كان عليه قبل 25 يناير. إن الأزمة الحقيقية التي نعاني منها اليوم، والتي سنظل نعاني من آثارها في المستقبل، هي في هذا الصدع الكبير الذي حدث في جدار المجتمع المصري فشقه نصفين يكره كل منهما الآخر. هذه أول مرة في تاريخ المصريين ينقسم فيها المجتمع بهذا الشكل وبهذه الحدة، حتى رأينا من يفرحون في الدماء، ويرقصون على الجثث والأشلاء. لقد وصل المجتمع المصري إلى الحد الذي يقدم فيه الأب بلاغا عن ابنه في قسم الشرطة، والزوجة تُبلغ عن زوجها، والجار عن جاره!

نحن في أشد الحاجة اليوم إلى تدارك هذا الانشقاق غير المسبوق بأي وسيلة قبل أن نستيقظ يوما على مصر وقد أصبحت دولتين أو ثلاث يفصل كل منها عن الأخرى حدود ومعابر ومطارات!

على جميع القوى والأحزاب والتيارات السياسية المصرية أن تعي وتدرك أنه عندما يكون الوطن في أزمة يصبح اجتماع الكلمة وتوحيد الصف واجبا وضرورة، والخلاف والاختلاف ترفا ورفاهية وإقدام على أول محاولة انتحار جماعي لشعب في التاريخ!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.