المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أيهم سفّاف  Headshot

محمود درويش الآخر

تم النشر: تم التحديث:

كثير من الناس يعرفون محمود درويش الشاعر الذي أصبح اسمه جزءاً لا يتجزأ من اسم فلسطين فهو امتداد طبيعي لخارطتها اللّغوية. حملها على ظهره سنيناً من عمره وهو يصعد بها، عرفه الناس بتلك اللغة التي توحي وتشفّ التي تؤلم وتبشّر، ولكن القليل منّا منْ تعرّف على محمود درويش من خلال مقالاته وكلماته في المناسبات. فكانتْ المرآة التي ترينا الوجه الآخر الجميل لمحمود درويش، وجهٌ ظهرتْ فيه ملامحه أكثر وضوحاً فهو هنا يقرّر، يباشر ويصرّح.

ولعل أبرز ملمح في جملة ما كَتَبَه هو تأكيده على الحفاظ على الهوية والذاكرة الجماعية للشعب الفلسطيني وهما مصطلحان تكاد لا تخلو مقالة له إلا ويذكّر بهما، كون الآخر لا يقوم بطرد الشعب الفلسطيني من أرضه بل ومن التاريخ أيضاً، مؤكداً بذلك على دور المثقفين بواجبهم بدقّ مسامير الهوية على حائط التاريخ بنتاجهم على اختلافه، وهو ما حاول عمله طيلة حياته وهو "تثبيت المكان في اللغة".

وبالنظر إلى الوجه الآخر نقترب أكثر من شعره من فهم المتناقضات في لغته هنا وهناك، أنا وهو، الحضور والغياب، الحلم والواقع، الوطن والمنفى. فهو واحد في الوطن، كثير في المنافي، صاحب الحلم الذي يكذّبه الواقع، هو حاضر في مكانه الأول ولكن غائب عن زمانه، وعندما هُجِّر من بيته وهو طفل سائلاً جدّه ما معنى اللاجئ قال هو أنّك لم تعدْ طفلاً فانقسم بين أنا وهو، هنا وهناك. وقصة تهجيره لعلها أول حادثة كسرتْ الزمن لديه فلم يزلْ يلملم ما تبقى منه قصيدة قصيدة حتى وفاته.

هذا ينقلنا لمحاولة تفسير الإبداع لدى محمود درويش بكونه امتداداً لمسيرة الإبداع الشعري العربي ويمكن القول إنّ لكل إنسان تجربته الشعرية الصامتة، ولكن ليس لكل إنسان تجربته الشعرية الناطقة. كثيرةٌ هي الطرق التي سلكها في بناء قصيدته وربما سلَكَ أكثر من طريق في ديوان واحد غير أنّ الهدف لم يتبدّل، فلسطين والإنسان. محمود درويش واحد من كثير ممّن هُجّروا من أرضهم ولعله لا يكون أكثرهم مرارة وأعمقهم وجعاً، لكنّه بلا شك أكثرهم إصراراً على خلق لغة خاصة به التي استطاع بها إلى حدٍّ ما وصف ما لا يوصف، عندما كتب "أحنُّ إلى خبز أمي" في السجن كتبها لنفسه وتفاجأ عندما وجد الشارع العربي يغنّيها، وكأن الوجع الإنساني وجع متجاوز لحدود الزمان والمكان، ولكنّه لم يسترحْ لإغراء الجماهيرية والشهرة فكانتْ قصيدته ذلك الكائن الحي الذي يتأثّر بالجو العام للقصيدة العربية ويؤثّر استجابة لسؤاله الأكثر أرقاً بعد كل نجاح "ماذا بعد؟".

بعبقريته الشّعريّة أَلبسَ الأفكار البسيطة أجنحة الغنائية فارتحلتْ بعيداً. ولم تمنعْه مكانته من الاعتراف بأنّه بدأ شعره مُتأثراً بنزار قباني وأنه تأثر بآراء أدونيس، وأنّ مطر السيّاب كان يسقي ليس شعره فقط بل الشعر العربي برمّته، هكذا حتى نضجتْ تجربته وأصبحتْ قصيدته واضحة الملامح متفردة بخصوصيتها تُلهم وتُعلّم.

محمود درويش لم يثرثرْ كثيرًا عن الشعر- كما يفعل الكثير - ولكنه أعطانا نموذجاً شعرياً يُحتذى من حيث التجديد وآليات التفكير والقدرة على التعايش مع البيئات الشعرية الجديدة والابتعاد عن التقليد، مبرهناً أنّ اللغة لم تزلْ ولوداً بعد زمن طويل ظنّ الكثير أنّها أصبحتْ عجوزاً عقيم.

لم يرحل عنا محمود درويش إلّا ليبقى، لم يزل في ذاكرة التاريخ حاضراً كأميرٍ جميل هارب من كتب التاريخ، هو مَلِك الصّدى الذي لم يزلْ يتردّد، لاعب النرد الحسن الحظ، وجع الكمان في المكان، زهرة الغاردينيا واللازورد ترجّلَ تاركاً حصان الشّعر وحيداً.