المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

صالح العطوي  Headshot

تونس الأولى عالمياً في التعذيب وإنتاج زيت الزيتون

تم النشر: تم التحديث:

ربما تتساءل أيها القارئ الكريم حول العلاقة بين جريمة التعذيب وإنتاج زيت الزيتون؟
لا تقلق سأجيب عن هذا السؤال وبكل بساطة لأن جريمة التعذيب صارت تعد مسألة عادية جداً في تونس باعتبار أن تاريخ الدولة لا يخلو من مثل هذه الممارسات المهينة، يكفيك أن تراجع فترة حكم الرئيس الحبيب بورقيبة منذ الاستقلال لتكتشف حجم المأساة وما يُعرف بـ"صباط الظلام"، وهو المكان الذي كانت تمارس فيه كل أشكال الإهانة والتعذيب .
انتهت فترة "صباط الظلام" وبدأت مرحلة جديدة مع حكم المخلوع بن علي طيلة 23 سنة، وفيها كانت الكارثة. أكثر من 30 ألف سجين سياسي مرّوا بوزارة الداخلية والسجون التونسية التي شبّهها المناضل "محمد عبو" بمعتقل غوانتانامو وسجن أبوغريب في العراق إبان الاحتلال الأميركي عام 2003، لتضرب تونس مثالاً للعالم في ممارسة التعذيب والقتل تحت التعذيب باسم حماية النظام، وفي هذه المرحلة بالذات كان الموت هو العنوان الأبرز لكل من وقع تحت يديه ورفض تأييده وانتقد طرق تسييره للدولة .
الثورة هي الأخرى رغم ما حققته من حريات إلا أنها لم تحقق المطلب الأهم وهو القضاء على ظاهرة التعذيب، رغم المجهودات التي تبذلها منظمات المجتمع المدني وحقوق الإنسان كالرابطة التونسية لحقوق الإنسان، والمنظمة التونسية لمناهضة التعذيب، والمرصد الوطني للحريات التي لم يخلُ تقرير من تقاريرها الشهرية والسنوية من حالات تعذيب أو سوء معاملة أو موت مستراب أو حرمان من العلاج في السجون التونسية .
تقرير المنظمة التونسية لمناهضة التعذيب خلال شهر سبتمبر 2015 رصد ما لا يقل عن 23 ملفاً تتوزع بين حالات تعذيب وعنف وسوء معاملة لأشخاص محتفظ بهم أو موقوفين تحفظياً أو سجناء.

ويعتبر عدد الملفات التي عرضت على المنظمة خلال هذا الشهر من أعلى المعدلات منذ بداية إصدار التقارير الشهرية، وهو يؤشر إلى تزايد الانتهاكات. وهو ما أكدته أيضاً رئيسة المنظمة راضية النصراوي في أكثر من مناسبة.
هذه ليست المرة الأولى بعد الثورة، فتقرير موقع "انكيفادا" للتحقيقات الصحفية رصد فقط بين 2013 -2014 ما لا يقل عن 228 حالة موزعة على مختلف ولايات الجمهورية، من بينها 142 حالة في إقليم تونس الكبرى، وهو إقليم يضم أربع ولايات هي: تونس وأريانة وبن عروس ومنوبة، حيث تنوعت واختلفت الحالات بين تعذيب مباشر بلغ 72 بالمائة من جملة الحالات إلى المعاملة السيئة كالإهانة المعنوية أو المنع من الزيارة أو العلاج حسب التقرير الذي نقله الموقع المذكور.
ربما يتفاجأ المواطن العادي الذي يجهل الحقيقة حين يطلع على هذه الأرقام، لكنه الواقع المر الذي لا يقبل به أي شخص باعتبار أن التعذيب أو سوء المعاملة أو الحرمان من الزيارة أو الحرمان من العلاج كلها جرائم تخلف آثاراً سيئة على الضحايا، وكذلك على المراقبين من نشطاء أو حقوقيين أو هيئات ومنظمات مجتمعية؛ لأنها جريمة في حق الإنسان وفي حق الوطن لا يمكن السكوت عنها أو تجاهلها تحت أي ذريعة.
نحن نعرف ونعلم أيضاً أن الأمن هو الركيزة الأولى لاستقرار الوطن، وأن الحرب على الإرهاب هي حرب التونسيين جميعاً دون استثناء، وأن هذا الأخير لا مكان له في تونس، إلا أن التعذيب هو الآخر مرفوض في دولة مدنية يجب أن تحترم حق المواطن في ممارسة مواطنتيه وحقوقه المدنية التي يكفلها الدستور، وبالتالي لا يمكن أن نبرر جريمة بجريمة، ولا يسعني إلا أن أقول ما قال الكاتب المصري أحمد خالد توفيق في هذا الشأن: "عندما يقيدون سجيناً ويجردونه من ثيابه ويصعقونه بالكهرباء.. فإنهم بهذا يكسبون خصماً عنيداً شرساً.. لقد صارت حياته كلها تنقسم بين ما قبل الكهرباء وما بعدها..".

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.