المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

آسيا ضياء  Headshot

حياتنا لا تساوي أرجل طائر بري صغير!

تم النشر: تم التحديث:

تكون أثقل اللحظات وأبطؤها تلك التى عندما يسألني فيها المريض " ايه اخبار التحاليل طمنيني", أصمت لبرهة وأقول "عُد من فضلك للطبيب المعالج فهو من طلب هذه التحاليل ولا تقلق كل شئ على ما يرام"
يصمت المريض وأبتسم أنا لأنهي هذا الحوار سريعا ولكي لا أفتح مجالاً لأسئلة أخرى فقط لأتحاشي إخباره بأن هناك خللاً ما في أحد اعضاء جسده.
تكن اسوأ تلك اللحظات على الإطلاق عندما أسلم المريض تقريره وتكون نتيجه تحاليل دلالات الأورام إيجابيه, وخاصة إذا كان المريض او احد من ذويه ملماً ببعض الأمور الطبية فلا يمكنني التهرب من الإجابة, أصمت, تنهمر الدموع من أعينهم وأنا كذلك.
ينصرفون وهم هائمون لا يعلمون من أين وكيف سيبدأون رحلة العلاج, ادعو الله أن ييسر لهم أمورهم وأن يشفى المريض ويعافيه من كل سوء وأعود لأستكمل مهام عملي.

حقيقة كنت لا أعلم تفاصيل تلك الرحله ومدى قسوتها وطولها , غالبا ما تنتهي علاقتي بالمريض عند تسليمه التحاليل الخاصه به
إلى أن أصبحت إحدى المريضات التي أسلمها تحليل دلالات الأورام هى " ميس ميمى" .
ميس ميمى هي معلمتي في المدرسة الثانوية وكذلك لإخوتي , كانت تربطنا علاقة ود وحب.
كانت بداية اكتشافها لهذا المرض اللعين فى خريف 2013 كانت وقتها تبلغ من العمر سبعة وثلاثين عاما ومنذ ذلك الحين بدأت رحلتها فى العلاج. لم أكن أتخيل يوما كم هى صعبه رحلة العلاج تلك وأنني إحدى المحطات في هذه الرحلة.
لايختلف اثنان على جمال روح ميس ميمى وطيبتها وتدينها وجمالها, يعشقها طلابها وأصدقاؤها لا أذكر أن تحدث أحد عنها بسوء أو أن هناك ضغينة بينها وبين شخص ما, جميلة الى الحد الذى تدخل فيه إلى قلبك منذ اللحظة الأولى, جميلة هي إلى الحد الذى جعلها لم تخبر أمها بحقيقة مرضها خشية عليها من الحزن والألم الذى قد يلحق بها عند معرفة ذلك الخبر.

مرت الأيام إلى أن هاتفتني أختها, و بمجرد رؤية رقم هاتفها شعرت وكأن روحي تنسحب مني و دموعي تتساقط بشكل لا إرادي, لطالما خفت من تلقي هذه المكالمة و لطالما حسبت حسابها, وجدتها تخبرني أنهم فى طورائ إحدى المستشفيات الحكوميه وأن ميس ميمى فى حالة إعياء شديد.
ذهبت على وجه السرعه إلى هذه المستشفى, بمجرد الدخول من باب الطوارئ تجد المكان مليئاً بدخان السجائر تشعر وكأنك وسط ضباب فى ساعات الصباح الأولى, حارس البوابه يدخن, الأطباء يدخنون, أعقاب السجائر تملأ الأرض, إلى أن دخلت فى غرف الطوارئ والتي يمتد إليها بالتأكيد هذا الدخان ورائحته, ناهيك عن كم التلوث والقاذورات بالمكان.

ذهبت إلى طبيب الطوارئ لأسأله عن وضعها الصحي قال لي أن الورم يضغط على رئتيها ولا يمكنها التنفس ولابد من نقلها إلى العنايه المركزة وأنها تحتاج فقط إلى ساعتين فى العناية المركزة ليس أكثر, و هنا فى المستشفى لايوجد مكان لها, جميع الأسرة مشغولة بالمرضى, وشرح لي أن هناك خطراً على حياتها اذا فصلنا عنها جهاز الأوكسجين البسيط الذى يساعدها بالكاد على التقاط أنفاسها وأنه كلما مر الوقت كلما تأخرت الحالة ولابد من التحرك بسرعة.

ذهب أخوها للبحث في المستشفيات العامة والخاصة عن مكان بالعناية المركزة ولكن باءت كل محاولاته بالفشل لأن مستشفيات القاهرة والجيزة الحكوميه كلها خاليه من جهاز تنفس صناعي يسمى " VENTILATOR " والمستشفيات الخاصة ترفض استقبالها .
كان الوقت يمر سريعا كنت أشعر وكأن عقارب الساعه تجري في مارثون , مرت ثمانى ساعات ونحن على هذا الوضع بدأت أفقد أعصابي, كنت أبكي كالاطفال, اتصلت بالإسعاف أخبرتهم أننا نريد أن نتحرك من تلك المستشفى نريد أن نخرج من ذلك المعتقل ولكن كان الرد "أنتم الآن في مستشفى ولكي تنتقلوا إلى مستشفى أخرى لابد أن يوافق الطبيب المعالج بالمستشفى الأخرى على استقبال الحالة ولابد أن تحصلوا على اسمه ورقم هاتفه لكي يتسنى لنا التأكد ومن ثم نقوم بنقلها, صحت به من أين لي وكيف لي أن أتواصل مع طبيب في مستشفى أخرى قال هذه هى قوانين وزارة الصحة وقام بغلق الهاتف"
اتصلت بالنجدة وشرحت لهم الوضع وكان ردهم " حضرتك لازمن الدكتور يوافق " وقام بغلق الهاتف.
طلبنا من إداره المستشفى أنبوبة أوكسجين لكي نتمكن من التحرك بها فى سيارتنا الخاصة ولكنهم رفضوا لأن القوانين تمنعهم.

في هذه الأثناء تذكرت عندما كنت في رحلة قصيرة بالنمسا, كنت ومجموعة من الأصدقاء النمساويين في نزهة على جبل, كانت السيارة تتحرك بسرعة عالية وفجأه اصطدم بالسياره طائر بري صغير, أوقف الأصدقاء السيارة ونزلوا ليتأكدوا من سلامة هذا الطائر وكانت المفاجأة أن علقت إحدى رجليه بين الكشاف والإطار الحديدي الذي يحتويه... نصف ساعة وأنا أراقب محاولاتهم في مساعدة ذلك الطائر لإخراج رجله دون قطعها ولكنهم عجزوا عن ذلك, اتصلت إحدى الصديقات بالنجدة والذين بدورهم ساعدوها في التواصل مع طبيبة بيطرية, وكان رد الطبيبة أنها ستكون بالمكان في غضون خمس دقائق فقط, وبالفعل وصلت الطبيبة في أقل من الوقت الذى حددته, لا يمكنني وصف مشاعر الطبيبة وصدمتها عندما رأت الطائر على هذه الحالة ولا يمكنني وصف أصدقائي وهم يبررون للطبيبة أنه حادث غير مقصود.

تذكرت كل هذا وأتساءل ألهذا الحد أصبحت حياتنا لا تساوي أرجل طائر بري صغير؟ ألهذا الحد أصبحت قلوبنا منزوعة الرحمة؟تذكرت كل هذا وأنا تذكرت كل هذا وأنا إنظر إلى ميس ميمى وأراها تتألم وأنا مغلولة اليدين لا أملك من الأمر شيئاً سوى الدعاء و أهون عليها بأنها ستكون بخير .

مرت ثماني عشرة ساعة على هذا الوضع إلى أن صعدت روحها الطاهرة إلى بارئها, صعدت روحها إلى من هو أرحم من كل المسعفين والأطباء ومسئولي وزارة الصحة.

ميس ميمى لطالما كنت خائفة من السرطان, لم تتوقعي أبدأ أن يكون سبب موتك قوانين خرقاء من مسئول عديم الرحمة.
"ميس ميمى " ' مر ما يقرب من الأربعين يوما على رحيلك, مازالت صورتك عالقة بذهني وأنت تتألمين فى آخر ساعات حياتك وأنت تقولين " مش قادرة اتنفس ماتبهدلونيش " أعلم أنه قدر الله لك ولكن فقط وددت لو أنك لم تعاني من كل تلك الالآم, صرت أكره عملي, صرت أكره كل مايمت بصلة إلى هذه المهنة التي طالما حلمت بها وكانت هدفاً لي, صرت أكره أن أكون مكبلة الأيدي بالقوانين صرت أكره أن أكون محطة ألم لبعض المرضى فى رحلة علاجهم.
ميس ميمي لم يتبق لي ولكل أحبابك منك سوى الذكريات الجميلة الطيبة والهدايا وكروت نحتفظ بها بخط يديك, أبكى على فراقك, وعلى والدتك التي توفيت حزنا عليك منذ يومين, أبكي وأبكي وأدعو الله أن لا يميتني على تلك البقعة من الأرض بأهلها الظالمين.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.