المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

حسن رشيدي  Headshot

النابغة العدناني

تم النشر: تم التحديث:

منَّت الأقدار السماوية طيلة التاريخ الإنساني على مجموعة كبيرة -لا حصر لها- بمواهب مختلفة، تباينت وتعددت ميزاتها وخصوصياتها حسب الزمان والمكان اللذين ظهرت فيهما الشخصيات، ولقد تعددت هذه الأخيرة حسب السياق الذي ظهرت فيه: فمنهم الذي بزغت موهبته في الجانب القيادي، أو في الجانب الأدبي، أو في الجانب الفني، أو في الجانب الموسيقي، أو في الجانب الرياضي، وغير ذلك كثير.

وإننا اليوم لنرى تخمة كبيرة في عدد المواهب التي تصعد بين عشية وضحاها بفضل البرامج التي تروج للمشاركين فيها وتمتعهم بمزايا لا تعد ولا تحصى، لا من حيث القوام الرشيق والقد المليح والجمال الأخاذ والصوت الشجي الذي ينبع من حنجرة ذهبية، بالإضافة إلى الإطراء الذي يسمع عن مستوى أخلاقهم وقيمهم ومعدن أصلهم... وكل هذه المزايا والخصائص في حقيقة الأمر إنما هي كاذبة خاطئة تنافي الواقع المعاش والصورة العامة في كل المجتمعات العربية على وجه أخص -باعتبار أن المنتج موجه إليها- بقدر ما تريد وسائل الإعلام والأيادي الخفية التي تحركه خلق أنماط جديدة، ونشر مفاهيم قيمية من خلال هذا الموهبة التي تصنع في غضون أسابيع معدودة لتسوق كنموذج يحتذى به.

ولقد بزغ نجم جديد في سمائنا الثقافية والعلمية والدينية على وجه التحديد يدعى عدنان إبراهيم، فلسطيني المسقط غزاوي البيت، مما مهد بشكل أو بآخر إلى زرع بذور الظاهرة بفضل الحركة السياسية وتضارب اتجاهاتها الفكرية والأيديولوجية التي كانت تعيشها فلسطين آنذاك، ثم انتقاله إلى العيش في أوروبا؛ ليتعرف عن قرب على الحضارة والمدنية الأوروبية التي مكنته من الاطلاع على معارفها، ويسرت له السبل للوصول إلى مبتغاه عن قرب، يلامس من خلاله حقيقة بواطن الأمور وخفاياها، حتى اطلع على حركتها الاجتماعية والثقافية والاقتصادية وتشرب من معين فلسفتها وعلوم روادها ومختبرات البحث العلمي التي لا هم لها سوى المعرفة الحقيقية تمويلاً وشراكة ونتيجة؛ ليستفيد من تقدمها البحثي الحاضر والباد (لا كحال بحثنا العلمي الذي يقتصر على أربعة جدران وسقف يقطر كلما تلبدت بالغمام، وبعض لوازم المكاتب).

إن التطور التكنولوجي ووسائل الاتصال اليوم هي التي كانت همزة الوصل بين الدكتور عدنان إبراهيم وبين السواد الأعظم الذي يتابع الإنتاج الثقافي والحضاري الذي يسهم به الرجل، ولولا ذلك لبقي شخصه مغموراً بين هاجس الخبز اليومي الذي يصارع من أجله الجمهور، وبين التعتيم الرسمي الذي تفرضه الأنظمة الحاكمة، كما أنه لم يحرص منذ بداياته على شهرة يصنعها وتكون هدفاً له في الحياة كحال الكثيرين، وإن في المجال الدعوي.

لقد قال الرجل غير مرة إنه لم يكن حريصاً على تلميع اسمه في سماء عجت بنجوم مزيفة آفلة يحسبها الغوغائيون أنها أكبر، بل إن بعض الذين يصاحبونه هم من عرضوا الفكرة بدافع إيصال هذا التنوير الثقافي والديني والحضاري الذي يقول به الدكتور إلى أكبر عدد من المتتبعين؛ حيث لقيت الفكرة استحساناً منه، وهو الذي لم يشأ الانتهازية وملء الأرصدة من خلال بيانه للناس وإرشادهم، كيف وقد عرضت له الدنيا وأناخ له بعض رجال الإعلام منصاتهم الإعلامية ليتواصل من خلالها مع الجمهور في أصقاع العالم، فأعرض عنها راضياً غير كاره ولا طامع، ولربما قد تكون بشروطه وحسب طلبه طمعاً من هؤلاء في انتسابه إليهم.

إن الدكتور عدنان إبراهيم، حسب تتبعي له منذ بضع سنين، لم تقتصر نشاطاته إلا عن طريق قناته عبر اليوتيوب وصفحة عبر أحد المواقع الاجتماعية، إلى أن انطلق موقعه الرسمي في نشر محاضراته الصوتية والمرئية والقرب من عموم المتتبعين الذين يستنيرون بقوله ودعواه، كما شارك بسلسلة رمضانية بادئ الأمر تحت عنوان: آفاق، وأخرى بعنوان: مع الله، وأخرى بعنوان: رحمة للعالمين، وأخرى بعنوان: ليطمئن قلبي مع الإعلامي سعود الدوسري، رحمه الله، أما ما عدا ذلك فهناك برامج أطل من خلالها على المتتبع الكريم لم تكن بنفس الحجم الذي يستحقه الرجل على قنوات كـ"الجزيرة وروتانا خليجية وروتانا مصر".

هذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن الدكتور لا يلهث وراء الأموال ولا يسيل لعابه عليها كلما لاحت له دعوة المشاركة أو إمضاء العقود، كحال الذين يرتقون المنابر ويملأون المساجد عويلاً وصراخاً، فلا يفتون إلا في الحيض والبيض، ولا يذكّرون إلا بعذاب القبور وسكرات الموت، وقد اتخذوا ذلك مغنماً لا مغرماً، ورسخوا في الأجيال أفكاراً عن الدين ليس منها في شيء، بقدر ما أنها وليدة فكرهم العقيم وعقولهم المتحجرة التي لا تصلح إلا لجر العربات والحمل الثقيل، فضلاً عن أن تكون موقعة عن رب العالمين ومبلغة سنة رسوله الكريم ومبينة نهجه القويم، إن هؤلاء الذين يفترض فيهم أن يكونوا موقعين عن الله، قد صاروا رجالاً للدين اتخذوا لهم ملابس خاصة وطقوساً من التبجيل والوقار، يتقربون من الخاصة طمعاً فيما يجنون وما يكسبون، ويزهدون في العامة، لا سيما من الذين لا يجدون ما ينفقون، يفسرون النصوص حسب قصورهم، وينظّرون حسب جهلهم، وإن دعوا إلى محاضرة أو بيان اشترطوا السيارات الفارهة لنقلهم والعبيد لحملهم وخدمتهم، والقاعات المكيفة وأرقام السيولة التي سيتوصلون بها جراء تلبية دعوتهم، وهم الذين خربوا صفاء الدين، وانحرف الشباب بسبب ضلالهم وسمومهم عن البيان الحسن، حتى صارت همة أحدهم أن يكفر الناس ويدخل من يشاء إلى عذاب السعير، بدل أن يحظى بموطئ قدم له في جنة النعيم.

لقد نفى الدكتور عدنان إبراهيم ذلك عنه جملة وتفصيلاً: فلم يتخذ له لباساً كهنوتياً، ولم يخاطب الناس حسب قصوره ومستواه الدني كحال السواد من الواعظين، بل حمل الناس إلى المراتب التي وصل إليها، وهم الذين اعتادوا ربط أحزمة الأمان للسفر معه في كل خطبة يخطبها أو محاضرة يلقيها إلى تواريخ سحيقة، والغوص معه في أعماق الفكر الإنساني والحضاري؛ ليستبين الحق من الباطل والهدى من الضلال، ولا يتورع قط عند استهلال خطبة يبدأها أن يذكر الحاضرين بمعلومة زل لسانه عنها أو أخطأتها ذاكرته في تصحيحها واعتذاره إليهم، في رسالة إلى تقديس الحكمة والمعرفة على حساب الأنا والذات.

إن أخلاق الرجل ترفعه إلى مكانٍ علي، وعلمه ومعرفته إلى مكان أعلى، ولقد أخطأ كثير من النصوصيين الذي ادّعوا بادئ أمرهم مناظرته ومحاورته كأنهم يناظرون أحد الأحبار أو القساوسة في القرون الوسطى أو الغابرة، وذلك نابع من متخيلهم الديني في القرون الوسطى أو الغابرة في مجالسة كل مخالف أو معاكس لاتجاههم الفكري والأيديولوجي، فلا همّ لهم إلا بإفحامه ولجم لسانه ورد كيده ونسف دعواه، وأنّى لهم في مناظرة النابغة العدنانية وسقف أحدهم لم يخرج من قبيلته، ولم ترَ عينه إلا الأنعام والفيافي؟ فكيف بمعرفة العلوم الاجتماعية ومناهجها والاطلاع على المعارف التي تمكنه من ذلك كله لمقارعة الأنداد؟ بل إن متخيل هؤلاء في المناظرة قد لا يتعدى ذلك القول القديم والتعليم الذي تجاوزته الإنسانية بعشرات السنوات الضوئية: فإن قال كذا قلت كذا، وإن أعقب بكذا ألقمته بكذا حتى أبهته بضلال دعواه، وأبين له الحق المبين والعزة لله ولرسوله والحمد لله رب العالمين.

وهل دعوة الرجل إلا بيان الحق؟ وهل نيته إلا نشر الحقيقة ونسف أباطيلها؟ وهل حكمته إلا توقيف القتل ووضع حد للنزيف الداخلي الذي سيقضي على الوحدة المشتركة للأمة الواحدة؟ آملاً في أن يستمع الطرفان إلى صوت الحق وصوت الحكمة والعدل، بدل الانصياع وراء كل وسوسة مفترٍ كذاب أو نفث ومكر كيد الكائدين؟ إنه لا طاقة لكم بمنازلته، لما حاز عليه من العلم والفهم والحكمة والموعظة، حتى تطلبوا رأسه أو تخونوه كما فعلتم بالكثيرين. فلستم له أنداداً حتى تقارعوه وما أنتم له بغالبين، فهو لا ينتمي إلى مقياس مستوياتكم، ولعلكم إن طلبتم مواجهته لعمري إنكم لمدحورون وعلى أعقابكم ستهزمون، إنكم ما إن تلبثوا في المناظرة حتى يكشف خداعكم ويبطل سحركم ويفضح سوءات فكركم وضلال مناهجكم في الدعاوى التي تفترون بها على شخصه وعلى الجمهور وعلى الدّين.

إنه لا يختلف اثنان يتابعان محاضرات الدكتور عدنان إبراهيم ونشاطاته الفكرية والثقافية ما مدى سحر هذا الرجل ووصوله إلى قلوب الناس وأفئدتهم، إن ببيانه وفصاحة لسانه وإن بمناهجه في التحليل والتواصل وإيصال فحوى رسالته إلى المتلقي الذي يجلس أمامه أو يتابعه مستمعاً إليه، أو عن طريق المواضيع التي يتطرق إليها فيمحصها ويفحصها وينخلها ويدققها من كل الجوانب والزوايا الفكرية والعقدية والتاريخية والاجتماعية والعلمية... حتى يتبين للحاضرين الخيط الأبيض من الخيط الأسود قبل أن يبِين لسانه بذلك.

وفي ختام حديثنا نريد أن ننبه إلى خطأ كبير يقع فيه الكثير من المتتبعين، لا سيما من الطلبة الجامعيين أو الشباب الذي تعرفت عليهم في أرجاء بعض الكليات، أو عن طريق الصدفة في وسائل النقل حيث أجد بعضهم ينصتون لإحدى محاضراته، والذين نسهب وإياهم في الحديث عن إحدى جزئيات الخطبة فلا يرددون إلا قوله حرفياً. بل إن بعضهم ليستمع إلى إحدى هذه الخطب فتأخذه حمية البيان وزخم المعلومة فلا يلبث إلا قليلاً لينقلها إلى غيره في عجلة من أمره، هذا إن لم يرتدِ ثيابه ليرصد الطريق أو يقاطع حديث المجالس والسمار دونما أي مقدمات فيأتي بالفكرة ويسوقها في حضرة الجالسين كأنما أتى بجديد ذي بال لم يسبقه إليه أحد، حتى إذا جاوبه أحدهم سقط في يده فلم يتمتم سوى ببضع كليمات معقباً وراداً الكلام إلى الدكتور عدنان إبراهيم.

وما هي إلا رسالة نبعثها إلى ذواتنا وهي: أن فضيلة الدكتور عدنان إبراهيم قد حاز كثيراً من العلوم وتشرب مناهج المفكرين والعباقرة، واطلع على آلاف الكتب والمقالات والعناوين حتى وصل إلى المستوى الذي عليه الآن، وإنه لا يعتد بقول أحدنا في نسبة اقتباسه كلام الدكتور دونما معرفة مسبقة بأصول الموضوع. بالقدر الذي علينا نحن أيضاً الاطلاع بنهم يبلغ حد الشراهة في كل المواضيع والمراجع والمصادر والاتجاهات الفكرية والأدبية والتاريخية... وأن يكون جل وقتنا منصباً على المطالعة والدراسة حتى نناقش الأمور بالعمق الذي وصل إليه النابغة العدناني. حتى إذا وجدنا أنفسنا داخل زوبعة فكرية يحتد فيها النقاش بين الرأي والرأي الآخر المخالف لما توصلنا إليه، قارعنا الحجة بالحجة والبينة بالبينة والدعوى بالدعوى والمثل بالمثل والشاهد بالشاهد. وأن نتحلى بسلامة الصدور ونسف كل صنم يقف أمام إحقاق الحق وإبطال الباطل، وأن يكون همنا: الحقيقة والحق. غير آبهين بأي لسان ظهر، واتباعه بما هو حق لا اتباع هوى الرجال وتعصب آرائهم، وتلك رسالة الرجل.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.