المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

علي أغ  محمد Headshot

فرنسا وضريبة السباق نحو الإليزيه

تم النشر: تم التحديث:

يكاد يقال إن أسوأ رئيس في تاريخ فرنسا منذ بدء الجمهورية الخامسة هو الرئيس الحالي فرانسوا هولاند،
فالساخطون اليوم من قراراته وسياساته يرون أن فرانسوا هولاند يعمل من أجل مصالحه الشخصية، وتجاوز حتى مصالحه الحزبية "الاشتراكية"، وانصاع بمسمى التوافق إلى المطالب اليمينية في الداخل الفرنسي، وكل ذلك طمعاً في ولاية انتخابية جديدة.

في حين ترجع كثير من تلك القرارات المتسارعة في المجتمع الفرنسي إلى سياسات وآراء رئيس وزراء حكومته مانويل فالس، الذي يعتبر من أكثر المتحمسين للديمقراطية الاشتراكية على طريقة توني بلير في بريطانيا.

هولاند وصل إلى قصر الإليزيه من خلال حزبه الاشتراكي الذي تزعمه لأكثر من 8 أعوام، ويعتبر هذا الحزب تجديدياً في اليسار الفرنسي ما بين الشيوعيين والماركسيين، وأرسى دعائم التجديد الرئيس الفرنسي الأسبق فرانسوا ميتران الذي صعد هو الآخر إلى سدة الحكم بفضل تلك التجديدات التي تتجه إلى التوفيق بين البراغماتية والرأسمالية والديمقراطية في مواءمة للفكر اليساري مع القيم الليبرالية والتطلعات الفرنسية.

هولاند بعكس سابقه في الحزب والرئاسة ميتران.. وبالاختلاف الشاسع في السيرة الشخصية بينهما، لم يحقق الرئيس الحالي منذ توليه المنصب أياً من الوعود والإصلاحات التي وصل بفضلها لقصر الاليزيه بتقدمه على غريمه ساركوزي في جولة ثانية بنسبة لم تتجاوز 52% وتعتبر الأقل بين آخر 4 رئاسيات، سوى ارتفاع مديونيات فرنسا وتفاقم البطالة.

كان الحدث الأبرز هذا الأسبوع هو تقديم وزيرة العدل الفرنسية استقالتها في مشهد بطولي بالنسبة لها برفضها قانوناً يثير جدلاً وأقرته حكومتها بسحب الجنسية الفرنسية من الضالعين في قضايا الإرهاب، ويعد فالس رئيس الحكومة الذي حصل على الجنسية الفرنسية عام 82 من أكثر المتحمسين لهذا القرار والداعمين له.

انسحاب وزيرة العدل كريستيان توبيرا صاحبة القوانين الجدلية هي الأخرى ومرشحة اليسار الراديكالي للرئاسيات في 2002، هو الذي فتح الحديث عن هشاشة سياسات الحزب الاشتراكي الذي يمثله هولاند، خصوصاً تضحيته برموز اليسار الفرنسي مقابل كسب أصوات البرلمان وكسب الناخبين بقرارات جدلية وسياسات تتعارض مع أجندة ومبادئ الحزب والتيار.

يرى المراقبون أن الأحداث الأخيرة التي شهدتها فرنسا والأزمات الداخلية ألقت بظلالها على تسريع تلك القرارات والتوجهات "ذات الطابع الأمني" للحكومة الاشتراكية.

في حين البارز أن هولاند يحاول مغازلة الجبهة الوطنية ذات التوجه اليميني المتطرف بزعامة ماري لوبان التي جاءت ثالثاً في نتائج المرشحين في الانتخابات الرئاسية مايو/أيار 2012.

هذه المغازلة التي سبقتها تراشق في التصريحات بين هولاند ولوبان استمرت عاماً نتيجة تصاعد حظوظ الجبهة الوطنية في الانتخابات المحلية؛ وهو ما رآه تيار هولاند مؤشراً على أن الشارع الفرنسي تمت تعبئته لصالح سياسات اليمين، وهو ما يبدو أنه يسعى لاستغلاله.

الجدير بالذكر أن هذا النوع من التحركات والتنافس الحزبي الحاد مشهد ليس مألوفاً في فرنسا مؤخراً بسبب وجود ثنائية حزبية كانت قادرة على فرض توازن في تبادل السلطة؛ وهو ما فقدته الآن مع وجود الثلاثي "الحزب الاشتراكي" الحاكم ، وفي المعارضة " الجبهة الوطنية" و"الجمهوريين".

حزب الجمهوريين هو الاسم الجديد لحزب نيكولا ساركوزي الذي يسعى من خلاله للعودة للحياة السياسية والتي يرفع فيها شعار: "لا.. لا"، برفضه لكل من الحزب الاشتراكي والجبهة الوطنية.

ورغم التقاطع المشترك في السياسات والأفكار بين حزبي ساركوزي ولوبان؛ إلا أن بارغماتية لوبان تتفوق بالأرقام على انتهازية ساركوزي مع ضياع بوصلة الحزب الاشتراكي .

والنتيجة لم يعد اليمين يميناً ولا اليسار يساراً!
ولعله يصدق هنا فقط شعار هولاند في حملته الانتخابية 2012: "الآن يبدأ التغيير".

لتبقى الأسئلة مفتوحة:
- هل تنجح الجبهة الوطنية في تحقيق سياساتها من خلال التوافق مع الحزب الاشتراكي؟
- وهل تنجح بذلك الجبهة الوطنية للوصول للرئاسيات القادمة منتصف 2017 أم يختطفها الحزب الاشتراكي مجدداً؟
- وهل يفاجئ الفرنسيون أنفسهم كالعادة بإعادة ساركوزي إلى الإليزيه؟

في ذلك كله.. تتصاعد مخاوف وصول اليمين الفرنسي إلى السلطة والحكم لتأثيره على الداخل الفرنسي بسياساته المتطرفة ضد المهاجرين والعدائية ضد المسلمين، بينما خارجيا ًقد يخفف على البلدان التي "تحتلها" فرنسا، بينما بقاء الحزب الاشتراكي بهذا المستوى يضاعف استنزاف فرنسا في السياسات الأمنية والحروب والتوسع خارجياً.