المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

علي الكثيري Headshot

العيد الإلكتروني

تم النشر: تم التحديث:

اليوم هو آخر أيام العيد..
فلقد كان عيداً إلكترونياً بامتياز !!

ذلك لأن جميع أفراد أسرتنا الذين تجمّعوا في بيت الجدّة قد تسمّروا أمام الشاشات الإلكترونية التي بين أيديهم.. إذ لم يكن أحدٌ منا يكثر الحديث مع البقية من المتواجدين في المنزل، ولو رغب أحد في ذلك فسيجد أنه شخص ممل، وأن من حوله قد تطايروا بعيداً عنه وهم متشبثون بأجهزتهم الذكية يستمعون إليها، ويتحدثون معها.
حين أيقظني أبي لصلاة العيد، لم أكن أستطيع المشيَ إلاّ على أطراف أصابعي خشية أن أحدث جلبة توقظ النائمين!! فلقد كانوا طوال ليلة البارحة مشغولين في إرسال رسائل التهنئة عبر واتساب، تويتر، فيسبوك، بالإضافة إلى مقاطعهم وصورهم في سناب شات والانستقرام وغيرها من الشبكات.
عدنا من صلاة العيد، وقد أدركها من أدركها، وفاتت من لم يكن حريصاً عليها، انتظرت أبي بفارغ الصبر لكي يأخذني إلى سوق الخراف لنشتري خروف العيد، ونذهب به إلى البيت ثم يأتينا الجزار كما في كل عام.. ولكني وبعد طول انتظار؛ ناداني والدي وبيده الجهاز اللوحي، فجئته فرحاً وأنا مستعد للخروج معه والمشاركة في اختيار الأضحية، إلاّ أنني فوجئت بأن أبي لم يتأهب للخروج، لقد كان يريد أن يعرض علّي صور الأضحية التي اشتراها عمي وأرسلها له عبر واتساب وهو يعلق عليها بأنها أضحيتنا لهذا العام!! أصبت بالإحباط قليلاً وانتظرته أن يقول لي بأننا سنذهب لإحضارها إلى البيت أو الذهاب بها إلى المسلخ. لم يترك لي أبي أن أسترسل في تفكيري، فقد مرر يده على الشاشة لتظهر الصورة التي تليها، وفيها يقوم الجزار بذبحه، وصورة أخرى وهم ينزعون جلده، وثالثة وهم يعلقون على الحمالات لإكمال تقطيع أوصاله، حتى أتت الصورة الأخيرة وقد وضع داخل تلك الأكياس الكبيرة الملونة وأنهى الجزار عمله.
دار رأسي وأنا أشاهد الصور التي يعرضها أبي، وارتسمت على وجهي ابتسامة باهتة يشوبها الحزن والألم، أنني لن أشارك في حضور هذه الأحداث في هذا العيد، تسمرت قليلاً وأنا أقول في نفسي لعله سيقول أنها مزحة!، أو أنها صور أرسلها أحد أصدقائه عن طريق هذه التطبيقات التي تملأ أجهزتهم، فوالدي يعرف تماماً لهفتي على الذهاب معه، وكنا نتحدث في ذلك بالأمس! لكنني ما لبثت حتى انتبهت على صوت عمّي وهو يدخل البيت وبيده ذلك الكيس الذي رأيت صورته عند والدي، ولما سألني عمّي : هل شاهدت صور الخروف التي أرسلتها لوالدك؟؟!! تيقنت حينها أنني لن أشعر بالعيد في هذا العام.
في لحظة ما.. وبينما نحن جلوس؛ إذ نشبت مشادة كلامية بين أبناء أعمامي، حقيقة الأمر أني فرحت نوعاً ما - ابتداءً- لأن هناك من المتواجدين من باتوا يتحدثون مع بعضهم، لكني ما لبثت أن عرفت سبب هذه المشادة فيما بينهم فحزنت، خاصة حين تعالت أصواتهم وارتفع ضجيجهم وكادت أن تتحول إلى عراك فيما بينهم، لقد كانت الحكاية وما فيها أن أحد أبناء عمي كتب نصاً في تويتر يعبر فيه عن رأيه في قضية كروية، فرد عليه الآخر بتعليق ساخر نشره على نفس الشبكة، فما كان من الأول إلاّ أن ذهب إلى حساب الآخر على شبكة فيسبوك وكتب فيها كلاماً جارحاً للثاني، وأرسل إلى أصدقائه عبر الخاص - وذلك حسب إفادة ابن عمّ آخر لي كان موجوداً حينها - للتعليق على هذا الكلام الجارح وتأييده والإمعان معه في السخرية، عندها لم يقف ابن عمي الثاني مكتوف اليدين، فطلب من أحد الأقرباء صوراً شخصية لابن عمه وغريمه، يظهر فيها وهو في حالة لا يليق نشرها، أذكر أنه قام بتصويرها بالهاتف أيام عيد الفطر، حين كنا في إحدى الاستراحات، وكان النوم قد غالب بعضنا فاستسلم له، وأتى قريبنا هذا ليلتقط الصور لكل من نام منهم، لقد كانت تلك الصور مضحكة جداً ومسلية.
حين وصلت هذه الصور لابن عمي الثاني نشرها في حساباته على جميع التطبيقات التي يشترك فيها، وأشار في كل شبكة إلى حسابات غريمه تحت كل صورة إمعانا في الإيذاء، ويبدو أن هذه الصور أحدثت حالة هستيرية من السخرية والاستخفاف بين ابن عمي وأصدقائه.. وهو ما تسبب في هذا العراك الذي شهدناه.
ملت بوجهي عنهم وأنا خَجِلٌ من تصرفاتهم، لأنهم أكبر مني سناً وقد بلغ بعضهم المرحلة الجامعية أو أواخر الثانوية، وهم لا يزالون يتصرفون بهذه الطريقة.
فكرت أن أذهب إلى الغرفة التي يجلس فيها والدي، لعلني أقنعه بشراء خروف آخر ولو كان صغير الحجم، ونذهب به إلى البرية لنقوم بشوائه هناك، ولكنني حين اقتربت منه وجدته ممسكاً بالجهاز اللوحي وهو يشاهد مقاطع اليوتيوب، فترددت كثيراً أن أتحدث معه، خاصة أنني اعتدت أنه حالته المزاجية غير جيدة حين يتابع مقاطع اليوتيوب لشدة إدمانه على متابعة ما يستجد فيه، ولئن صدق حدسي.. فإنني أظن أن والدي قد شاهد جميع المقاطع التي نشرت على اليوتيوب وهو في هذه الأيام يشاهد الإعادة لها !!.
قلت في نفسي أن أذهب إلى نساء العائلة، فهن دائماً ما يكثرن الحديث فيما بينهن، وأستطيع أن أعرف منهن أخبار جميع أقاربنا، وأستمتع بالكلام الذي يجري بينهن..
كنّ النساء في بيت جدتي قد انقسمن إلى فرقتين:
الأولى : كانت كفرقة أوركسترا تقودها جدتي ويشارك فيها أمي وعمّاتي وزوجات أعمامي، اجتمعن كلهن في المطبخ الكبير لإعداد الإفطار، وكنّ يعملن بانسجام تام، كل واحدة منهن تعرف دورها بالضبط ومتى ستؤديه، تماماً كالفرق الموسيقية العالمية حين تظهر على خشبة المسرح، لم أكن أجرؤ على التحدث إليهن لئلا أشغلهن، وحين استدرت لأخرج من عندهن سمعت صوت نغمة اتصال تصدر من جهاز كمبيوتر محمول كان موجوداً على طاولة رخامية في منتصف المطبخ؛ تستخدم لتحضير الطعام أحياناً وأحيانا للأكل عليها،وقد زودوه بمكبرات صوت إضافية؛ أما النغمة الصادرة عن هذا الجهاز فهي لبرنامج سكايبي الشهير، كن جميع من في المطبخ ينتظرن اتصالاً من عمّتي التي قضت اجازتها في دولة أخرى، تكلم الجميع معها وهي تظهر على الشاشة وتتكلم معهن، وحين لمحت ظلّي طلبت من أمي أن تقبلني نيابة عنها، خجلت كثيراً حينها وتوردت خداي، فأنا لم أعد طفلاً صغيراً كما كنت في السابق، حيث أنني التحقت بالصف الأول الابتدائي قبل شهر من العيد، وكان أبي كثيراً ما يقول لي وهو يذهب بي إلى المدرسة بأنني الآن أصبحت رجلاً، ومع هذا فإنني قد فرحت كثيراً لأنها أعارتني اهتمامها، وبعد قرابة النصف ساعة أو تزيد انتهى الاتصال، فابتدرت الموقف مباشرة وحاولت أن أتكلم معهن، لكنهن لم يعرنني انتباهاً، وعدن إلى عملهن وهن يتجاهلن أي كلمة مني.
بقيت الفرقة الأخرى.. هي فرقة الفتيات، وكنت أشعر أنهن أكثر قدرة بالضغط على والدي وأعمامي وإقناعهم بفكرتي التي أردت عرضها عليهم، ولما دخلت إلى الغرفة اللاتي كن فيها، وجدتهن قد انشغلن بتصفيف شعرهن، وكي ملابسهن،وإتمام زينتهن، وأخريات قد أنجزن أعمالهن فاجتمعن في ركن الغرفة وبيد كل منهن هاتفها المحمول تتصفح من خلالها المواقع الإلكترونية والشبكات الاجتماعية دون أن تتكلم مع الأخريات، قمت في وسط الغرفة وصحت فيهن بفكرتي وأنا لا أشك أن بقاءهن في المنزل دون خروج يجعلهن يشعرن بالضيق، ويبحثن عن متنفس لهن، وأن هذه فرصتي لأحقق رغبتي في التنزه خارج المنزل والشعور بالمعني الاجتماعي للعيد، قلت لهن وقد التفتن جميعاً إليّ : ما رأيكن أن نخبر والدي وأعمامي بالخروج إلى البرية للتنزه والشواء ؟
انتظرت منهن إجابة محفزة أو مؤيدة، ولكني صعقت حين أدرن رؤوسهن إلى اتجاه آخر وهن يقلن : البرية ليس فيها إرسال إنترنت، فماذا نفعل هناك!!
خرجت وأنا أجر ورائي خيبتي.. فلم يعد هناك من يريد أن يفرح بالعيد إلاّ من خلال التقنية، حتى الأطفال الذين هم في سني رأيتهم وقد تجمعوا حول أجهزة ألعاب التلفزيون وهم يحدقون فيها ويصرخون، وقد تشنجت أطراف الذين يلعبون منهم على مقابض اللعب.
لم يبق في البيت سوى مجموعة من الأطفال الرضع كنا قد رزقنا بهم خلال الأشهر الماضية منهم أختى الصغرى، والبقية لأعمامي وعماتي، فذهبت وجلست عندهم وأنا أتأملهم وهم نائمون، وأتساءل : ترى.. هل يعلمون أن هذا عيد ؟؟!!
هكذا قضيت عيدي إلى آخر يوم فيه، على مناظر مشابهة..
الغريب أنهم يسمونه العيد الكبير.. لكنه كان في نظري صغيراً جداً جداً.. بحجم شاشات الهواتف التي يحملونها في إيديهم أو أصغر منها.. لقد كان عيداً في الأثير ولم يكن له في نفوسنا أثر، عيد تحمله أبراج شبكات الهاتف والإنترنت، ولا تحمله إلاّ قلوب قلة من الناس..
فيالهناء من فرح بهذا العيد
وكل عام وأنتم بخير

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.