المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبد الرحمن جابر   Headshot

عن الغرباء الذين لا يشبهوننا

تم النشر: تم التحديث:

نتحدث كثيراً عن الاختلاف والتنوع بينما نميل دائماً إلى من يشترك معنا في كثير من الأفكار والمعتقدات! نبحث لا شعورياً عمن يشبهنا، عن صورتنا المكررة أمام المرآة، على الرغم من أننا ننتقدها أحياناً أخرى وبشدة.

ينادي الإنسان العصري بحرية التعبير والحوار، لكنه لا شعورياً ينفر من ذلك الذي لا يتفق معه ويخالفه رأياً يعتبره ثابتاً، "ذلك الوغد يتجاوز كل الخطوط الحمراء"، ربما يقول في نفسه.


لطالما شدني أولئك الآخرون المتميزون في أفكارهم، وربما عاداتهم حتى وإن كانت غريبة في بعض الأحيان.

أقصد تحديداً أولئك الغرباء الهاربين من دائرة الضوء؛ الانطوائيين المحاطين بهالة من الغموض، ليس حباً في الغموض ذاته وإنما حرصاً على مساحاتهم الخاصة من أن تُبعثر من قِبل كل من هبَّ ودبَّ، أولئك الموهوبين ذوي الصوت المنخفض، المثقفين الذين لا يميلون إلى الظهور، المبدعين الذين لا يطيقون الضوضاء والضجيج، المتأملين بعمق وتفصيل لما حولهم، واللامبالين بنظرات الآخرين نحوهم وتقييماتهم الظاهرية أو السطحية لهم.

ما يجذبني، حقيقةً، ليس حالةً من الفضول المجرَّد وإنما حالة من البحث عما هو جديد خارج إطار المألوف والمعيش، حالة من الشوق إلى البحث عميقاً في معنى الأشياء فيما وراء التعاريف التقليدية، هي رغبة واحتياج حقيقي للاستكشاف والتعلم من خلال المشاهدة والسماع في آن واحد.

لقد صنعت لنا مجتمعات الاستهلاك وأدواتها الإعلامية ذات التأثير (الجمعي) نسخاً متشابهة من البشر، في السلوك والأفكار والكثير من التصرفات، لكن البعض القليل حافظ على ملكة خاصة للتمييز والاختيار بعيداً عن التيار وربما ضده. لهؤلاء البعض، وغالباً نتيجة ظروف معينة، القدرة على صنع مسارات خاصة لهم في الحياة، بشكل يختلف كثيراً عن التعريفات التقليدية. لكل من هؤلاء زاوية مختلفة لرؤية الحياة، يشاهد منها ما لا يراه الآخرون.

في الطرف المظلم، يوجد الكثير مما يمكن تعلمه. بشكل عام، يميل الناس إلى أولئك الذين يمنحونهم السعادة والأمل، لكن بعض هؤلاء الغرباء على العكس تماماً؛ بعضهم يمضي في طريق الأحزان والتعاسة أحياناً، بشكل غير مفهوم وغريب أحياناً! غير مفهوم من وجهة النظر التقليدية طبعاً.. قد يبدو ذلك جنوناً أحياناً، وقد يبدو مبالغة قاسية أحياناً أخرى. لكن، من يرى الأمور بشكل مختلف، له دوماً أسبابه وفلسفته الخاصة، وسواء اتفقنا أم اختلفنا معها، فإن في الأطراف المظلمة الكثير مما يمكن تعلمه. أليست حقيقة أن إدراك الإنسان معنى الألم وماهيته يساعده على توصيف وفهم السعادة أو ربما يساعده ذلك على إيجاد تعريفات أكثر نضجاً للسعادة، وهذا فقط على سبيل المثال.

لقد صنع لنا الكثير من الإبداع أناساً بدوا في حياتهم في غاية التعاسة والبؤس، أستطيع أن أذكر فان غوخ على سبيل المثال، ذلك الفنان المثير للجدل. ففي الوقت الذي يختلف النقاد حول تفسير شخصيته وسلامته النفسية، يتفقون بالإجماع على عبقريته كفنان!

إن التعلم من هؤلاء لا يقتضي أن نكون مثلهم، لكن يقتضي أن نفهمهم، وسواء كانت هذه الشخصيات ذات نظرة إيجابية أو سلبية، ألا تبدو عملية قراءة مذكرات هذه الشخصيات الاستثنائية، عادةً، عملية مشوقة؟ كيف هو الأمر إذا استطعنا أن نعيش بالقرب منها وهي في طور التكوين؟ أن نعيش فصولها أو أن نكون جزءاً منها، أليس هذا ما يحدث عندما نقترب من أحد أولئك الغرباء الذين لا يشبهوننا؟

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.