المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبد الرحمن جابر   Headshot

الحيارى أقرب إلى الله

تم النشر: تم التحديث:

"... لماذا لا يتدخل الله وهو الذي ملأ القرآن وعوداً؟ حتى لو تخاذل الناس، ألا يكون هناك مجال لرحمة الأطفال والأبرياء؟! قيل لنا إن الله تدخَّل ضد قوم لوط وقوم عاد وثمود، وأغرق فرعون؟ لماذا لا يتدخل الآن في سوريا؟ أين الله؟!".

كانت هذه فقرات من حوار طويل مليء بالأسئلة مع شاب عشريني حول الدين والإله.

"الإلحاد أصبح موضة هذه الأيام... هذا ما أسمعه كلما طرحت سؤالاً بين الأصدقاء أو على الشبكات الاجتماعية"، يقول شاب آخر!

كل يوم يصطدم عدد متزايد من الشباب والفتيات بكثير من الأفكار الدينية أو الطروحات الموجودة، لتبدأ بعدها دوامة متواصلة من البحث والتساؤلات التي يجر بعضها بعضاً والتي لا يجدون لها الإجابات الشافية المقنعة. الأسوأ في هذا الجانب، هو حالة الوعيد والتهديد، سواء بالتصريح أو التلميح التي يُقابل بها هؤلاء ممن حولهم. يتجنب البعض ويكتم أسئلته إلى حين، والأسئلة لا تموت حتى وإن دُفنت.

على الطرف الآخر وفي الوقت نفسه، وباستثناء محاولات فردية من بعض مشايخ الدين أو قلة محدودة من أهل العلم، لا يوجد خطاب جديد حتى الآن يجيب ويقنع عن كمية التساؤلات التي تولد حالياً.

من أين تأتي التساؤلات؟ ولماذا الآن؟
كثير من التساؤلات تولِّدها مواقف معينة، ولا أظن أن ما مرت به المنطقة مؤخراً وشهده الجميع بالشيء الهين أو البسيط.
لقد شاهد الجميع شباباً عُزّل يُقتلون لأنهم يطالبون بمطالب بسيطة، فيما شيخ دين يبارك قتلهم، وشاهدوا مسلماً يقتل آخر لأنه يختلف معه في الانتماء السياسي، وآخر لأنه يختلف معه في الطائفة. شاهدوا شيخاً يحشد شباباً آخرين للقتال في طرف وثانٍ يدعوهم للقتال في الطرف الآخر، بينما ثالث يدعوهم لأن يفجروا أنفسهم، وكل ذلك بالأدلة الشرعية.

على الهامش، من الواضح جداً وجود ظاهرة إلحاد كسول، وهذا مختلف عما نحن في طور الحديث عنه هنا. أسميها إلحاداً كسولاً؛ لأنه غالباً مرتبط بحالة من عدم الرغبة في البحث أو السعي للمعرفة. وهي مقارِبة لحد كبير من حالة الإيمان الكسول، الإيمان القائم على الاتباع دون أي بحث أو تفكير.

الأحداث السياسية الحاصلة في المنطقة تشكل الكثير من الصدمات؛ لأنها تضع الكثير من القيم والمبادئ والمعتقدات على المحك. لكن، هل هي السبب الوحيد؟
لا أظن ذلك. وقبل الحكم المسبق، علينا أن نرجع إلى ما يحدث في المجتمعات باسم الدين.

اسألوا كثيراً من خطباء الجمعة الذين يروون كثيراً من الأساطير في الخطب والحكايات الملفقة، سواء تلك التي ينقلها بعضهم عن بعض أو تلك المنسوبة لـ"حدثَني أحد الثقات" وغيرها. اسألوا أولئك المشايخ الذين تلاعبوا بالنصوص واجتزأوها؛ ليثبتوا فكرة عابرة، كذَّبها أو نفاها العلم قطعياً.

اسألوا أولئك الذين يسارعون إلى "تحريم" كل ما هو جديد "بالدليل من الكتاب والسنة"، حتى إذا مرت الأيام غضوا عنه الطرف ثم إذا ما تبين تأثيره القوي قفزوا لاستخدامه.

اسألوا من يستعرض أنصاف الوقائع التاريخية التي تُظهر بعض الشخصيات في التاريخ الإسلامي كملائكة، بينما هم مجرد بشر لهم ما لهم وعليهم ما عليهم، حتى إذا تبينت كثير من تفاصيل حياتهم الأخرى تكون صدمة لمن تأثر بهم.

أجيبوا على من يتساءل: لماذا عندما يأتي أحد ليتَّهم المسلمين بالتخلف فيُخرج له بعضهم أسماء علماء مسلمين، فإذا ما بحث في تاريخهم وجد أن هؤلاء العلماء الذين يُعتدّ بهم الآن اتُّهموا بالزندقة؛ بل والكفر لبعضهم في أثناء حياتهم؟!

تقول لنا نصوص التاريخ إن المؤمنين الأوائل في كل الديانات كانوا كفاراً في نظر مجتمعاتهم، وفي التاريخ أيضاً قصص لكثير من المتسائلين الذين قادتهم التساؤلات للبحث عن الله والإيمان حتى في تلك الفترات التي لم يوجد فيها أنبياء. فهل كان المتسائلون أقرب إلى الله أم مَن اتبع ما وجدنا عليه آباءنا؟ ينطبق هذا الكلام على الرسل والأنبياء الذين كانوا حالات متأمِّلة باحثة ومستقلة فكرياً قبل أن ينزل الوحي عليهم.


أجيبوا على الشباب الحيارى، الباحثين بالحجة وليس بالنصوص، وأجيبوا عليهم بلغة عصرهم وبما يقنعهم. انزلوا من أبراجكم وافتحوا أبواب الأسئلة معهم وناقشوهم. ويا هؤلاء قبل أن تلوموا الأسئلة لوموا أنفسكم؛ فهؤلاء الأبرياء أقرب إلى الله من كثير منكم.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.