المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبد الرحمن جابر   Headshot

عندما يرحل الأصدقاء

تم النشر: تم التحديث:

مع كل رحيل لصديق يرحل جزء من ذكرياتنا وأحلامنا الى الأبد. مع كل رحيل تزداد الفراغات اتساعاً بين خلايا الروح.. يقتلنا الرحيل المستمر.. الوجوه المتغيرة حولنا دوماً وباستمرار.. هذا باختصار ما ينتجه نزيف الأصدقاء الأبدي في مجتمعاتنا العربية.

في المجتمعات المضطربة بشكل عام وغير المستقرة يعاني المرء من الرحيل المستمر، تارة عندما يرحل أصدقاؤنا عنا وتارة أخرى عندما نرحل بأنفسنا عنهم.

مع كل رحيل من حولي يرنّ في ذاكرتي قول الشاعر عمرو بن معد يكرب:
ذهــب الذيــن أحـبـهـم وبقـيـت مثل السيف فردا

أتذكر طفولتي المتنقلة بين مصر واليمن والسعودية بسبب تغيّر عمل والدي.

أتذكر أني درست الصف الأول في ثلاث مدارس في ثلاث دول وهذه كانت البداية فقط.. لأن الرحيل لم يتوقف بعدها. في السعودية كانت المدرسة عبارة عن خليط من كل الأرض العربية (مصر، السودان، اليمن، الأردن، سوريا، فلسطين)، كان أغلب الطلاب في محطات عبور مرتبطين بظروف عمل أهلهم. في لحظة معينة عليهم أن يرتبوا شنطهم ليرحلوا، وقد حدث هذا مراراً أثناء الدراسة الابتدائية.

قد يختفي أحد الأصدقاء فجأة في نهاية العام ولا يظهر في العام القادم، وأحياناً يختفون فجأة في منتصف العام.. فجأة تجد طاولة في الفصل فارغة لأيام لا يلبث أن يحتلها زميل من الصف رغبة في تغيير مكانه.

كان هذا يحدث مع الجميع بسابق إنذار أو دون أي إنذار.. وجوه تختفي وأخرى تظهر الى ما لا نهاية.

عندما عدت مع عائلتي الى اليمن لم يتغير الحال كثيراً وخصوصاً بعد حرب ٩٤ الأهلية.

أتذكر كثيراً من الوجوه التي اختفت الى الأبد من المدرسة الإعدادية وصارت مجرد ذكريات..
وهكذا في كثير من المجتمعات العربية.. رحيل يتلوه آخر.

ما الذي يدفع شجرة لأن تنتزع جذورها حاملة أوراقها معها الى وطن آخر؟

من المواقف الصادمة لي والتي صادفتها بعد الدراسة الجامعية (قد تبدو الآن طبيعية للبعض) عندما قررت عائلة أحد الأصدقاء الهجرة الجماعية الى كندا. هاجرت العائلة بأكملها (الجد وأبناؤه والأحفاد الذين كانوا زملائي في المدرسة). أتذكر ذلك الشعور الحزين الذي شعرته والتساؤل الذي دار في خلدي وقتها: هل سأراهم مجدداً؟ كنت أتساءل بسذاجة ما الذي يدفع ثلاثة أجيال للذهاب بلا رجعة؟ وكان السؤال أيضاً ما الذي يدفع رجلاً مسناً لأن يقود زورق عائلته في رحلة أبدية بلا عودة.

على مدى سنوات العمل ما بعد الجامعة صار من الأشياء عادية الحدوث سفر من تبقى من الأصدقاء أو أولئك الأصدقاء الجدد الى الخارج وبلا عودة بحسب النظام. حتى بعض من يعودون للوطن بعد الدراسة وهم قلة يعودون ليرحلوا مجدداً في الغالب ولكن بلا رجعة هذه المرة. الكل يريد القفز من المراكب الغارقة ولا يمكنك أن تلوم أحداً.

رحيل الأصدقاء مضنٍ يجعلنا غرباء من جديد.. يجعلنا تائهون في هذه الحياة..
ورحيلنا عن أصدقائنا لا يقل عناءً عن ذلك أبداً..

يوما بعد يوم أعي جيداً أننا عندما نرحل عن من حولنا فنحن أيضاً نرحل عن أنفسنا وعن ذواتنا التي عرفناها طويلا، وهذا أكثر قسوة وأكثر ألما بالعادة.. إنه جرح في الذاكرة والعاطفة معاً ويحتاج الى سنوات طويلة ليشفى لكن لن يختفي أثره أبداً مهما حاولنا.. .

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.